اقتصاد

لماذا لم تنخفض الأسعار رغم تراجع الدولار وتكاليف الشحن؟

على مدى الأشهر الماضية، كان ارتفاع سعر صرف الدولار وتكاليف الشحن والتأمين من أبرز المبررات التي ساقها التجار لتفسير الزيادات المتواصلة في أسعار السلع داخل الأسواق السورية. فكل ارتفاع في سعر الصرف أو أجور النقل كان ينعكس سريعًا على الأسعار، وفق ما كان يؤكده التجار.
لكن المشهد الاقتصادي تغيّر مؤخرًا، إذ يشير الخبير الاقتصادي الدكتور باسم المصطفى إلى أن الليرة السورية شهدت تحسنًا ملحوظًا أمام الدولار مقارنة بالفترات السابقة التي تجاوز فيها سعر الصرف مستوى 14 ألف ليرة للدولار، قبل أن يتراجع إلى مستويات أدنى، ما أدى إلى انخفاض تكلفة استيراد البضائع.
ولم يقتصر الأمر على تحسن سعر الصرف، بل تراجعت أيضًا أسعار النفط العالمية مع انحسار التوترات وتحسن حركة الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي خفّض تكاليف الشحن والتأمين، وهي عناصر أساسية تدخل في تكلفة السلع المستوردة.
وبحسب المصطفى، فإن انخفاض أسعار الصرف والشحن يفترض أن ينعكس مباشرة على أسعار البضائع في الأسواق، إلا أن الواقع مختلف، إذ لم يلمس المواطن انخفاضًا واضحًا في الأسعار، فيما واصلت بعض السلع تسجيل زيادات تدريجية.
وأوضح أن العديد من السلع المستوردة، مثل القهوة والشاي والمتة والمنظفات والمواد الغذائية المعلبة، تعتمد بشكل رئيسي على تكلفة الاستيراد وسعر الصرف، وكان من المتوقع أن تنخفض أسعارها أو تستقر على الأقل مع تحسن هذه المؤشرات الاقتصادية.
وأشار إلى أن المشكلة تكمن في أن الأسواق تتفاعل بسرعة مع أي ارتفاع في التكاليف، لكنها لا تستجيب بالوتيرة نفسها عند انخفاضها، وهو ما يجعل المستهلك يشعر بأن أسباب رفع الأسعار تُطبق دائمًا، بينما تُهمل أسباب خفضها.
وأضاف أن الأمر ذاته ينطبق على أسعار المحروقات، فمع تراجع أسعار النفط العالمية وانخفاض تكاليف الاستيراد، يصبح من المنطقي إعادة النظر في أسعار الوقود، باعتبارها تؤثر بشكل مباشر في تكاليف النقل والإنتاج والزراعة والصناعة، وبالتالي في أسعار مختلف السلع والخدمات.
وأكد المصطفى أن أي خفض في أسعار الوقود يجب أن ينعكس مباشرة على أجور نقل الركاب والبضائع، لأن النقل يمثل حلقة أساسية في تحديد السعر النهائي للمنتجات، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع أجور النقل رغم انخفاض التكاليف يحرم المستهلك من أي فائدة حقيقية.
ويرى أن المواطن لا يطالب إلا بتطبيق معادلة عادلة، تقوم على خفض الأسعار عندما تتراجع تكاليفها، تمامًا كما ترتفع عند زيادة تلك التكاليف.
وشدد على أن التحسن الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بالأرقام والإحصاءات، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين، سواء في أسعار المواد الغذائية أو تكاليف المواصلات أو القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
وبيّن أن تحسن سعر صرف الليرة وتراجع أسعار النفط العالمية أسهما في خفض تكاليف الاستيراد والشحن، إلا أن هذا الانخفاض لم ينعكس بالشكل المطلوب على أسعار الأسواق، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول أسباب استمرار الغلاء.
ولمعالجة هذه الفجوة بين انخفاض الكلفة وبقاء الأسعار مرتفعة، دعا المصطفى إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية، تشمل ربط الأسعار بسعر الصرف الحقيقي، وإعادة النظر في هوامش أرباح السلع الأساسية، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وإلزام التجار بعكس انخفاض التكاليف على الأسعار، إلى جانب مراجعة أجور النقل بما يتناسب مع أي انخفاض في أسعار الوقود.
وختم بالتأكيد أن السوريين ينتظرون اليوم رؤية نتائج التحسن في سعر الصرف وانخفاض تكاليف الشحن والطاقة على أرض الواقع، لأن أي مؤشرات إيجابية لا تنعكس على القدرة الشرائية للمواطن تبقى مجرد أرقام لا تغير من معيشته شيئًا.
“الخبير السوري”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى