غضب كردي في سوريا من ارتفاع الوقود وتردي الخدمات

يواصل ناشطون وسكان أكراد في مدينة القامشلي، أقصى شمال شرقي سوريا، تنظيم وقفات وتظاهرات يومية احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار الوقود، وحرمانهم من الكهرباء العامة منذ نحو ثلاثة أعوام. وتأتي هذه التحركات الشعبية في وقت تعاني فيه المنطقة من تراجع حاد في الخدمات الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وسط أنباء عن انضمام مدينة الحسكة إلى الاحتجاجات حيث تعيش أحياء كاملة في ظلام دامس منذ أكثر من أسبوع.
ارتفاع أسعار الوقود يشعل الغضب الشعبي
رفع المحتجون شعارات تطالب بإلغاء التسعيرة الجديدة للوقود، والتي حددتها الحكومة السورية مؤخراً بـ 0.88 دولار أميركي للمازوت و 0.55 للبنزين، مما انعكس سلباً على منظومة الأسعار وتوفير المواد البترولية المدعومة من قبل مؤسسات الإدارة الذاتية التي هي قيد الاندماج في الحكومة السورية.
وتأرجحت أسعار الوقود في هذه المناطق بين التسعيرة التي حددتها الإدارة الذاتية والتي شهدت ارتفاعاً متتالياً، وتلك التي وضعتها الحكومة في مايو الماضي، لتسقط معها معظم منظومة الدعم للمواد البترولية في المناطق الكردية.
انهيار نظام الدعم الذي ميّز المنطقة سنوات
خلال الأعوام الماضية، كان سائداً في المنطقة عرفٌ بتقديم دعم للوقود بأسعار رمزية، شمل تقديم 300 ليتر لكل عائلة كوقود للتدفئة الشتوية بسعر مخفض جداً، إضافة إلى قطاعات الأفران والنقل وتشغيل مولدات الكهرباء في أحياء المدن والبلدات، فضلاً عن قطاعات خدمية عدة تستفيد من المازوت المدعوم.
لكن هذه السمة التي ميزت المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية منذ نشأتها عام 2014، باتت تتقلص وتصل إلى أدنى حد لها، وأصبحت الإدارة الذاتية تقدم الديزل المدعوم بكميات قليلة جداً للمولدات والقليل من الأفران، مما أثر سلباً على ساعات تشغيل المولدات التي باتت أياماً كاملة لا تعمل بسبب عدم توافر المحروقات، في حين ارتفع ثمن الخبز أيضاً داخل هذه المناطق.
أزمة كهرباء خانقة تغرق المدن في الظلام
يعاني سكان القامشلي والحسكة من انقطاع شبه تام للكهرباء، وبحسب المسؤولين فإن السبب يعود إلى قلة الوارد من محطات التوليد في سدي “الفرات” و”تشرين”، وكذلك المولدات العاملة بالوقود في المنطقة التي أصبح غالبيتها تحت إدارة الحكومة، حيث يراوح الوارد ما بين 40 إلى 50 ميغاوات تخصص لتشغيل المؤسسات الخدمية الطارئة فقط، في حين تصل حاجات المنطقة إلى 550 ميغاوات.
ويعتمد السكان على الإنتاج البديل للطاقة الكهربائية الذي يديره القطاع الخاص المدعوم من الإدارة الذاتية، لكن أزمة المحروقات أثرت بشكل مباشر على قدرة المولدات الخاصة على توفير الخدمة، مما دفع السكان إلى التظاهر بصورة يومية في شوارع القامشلي والحسكة.
مطالب المحتجين: “حقنا في خبز رخيص وكهرباء وماء نظيف”
وسط مدينة القامشلي، صاح أحد الناشطين المتظاهرين قائلاً: “نحن هنا اليوم لنحتج لأنه من العار، من العار حقاً، أن تكون أغنى محافظات الوطن بالثروات، هي أفقرها في المعيشة والخدمات”، مضيفاً أنهم يتظاهرون للمطالبة بحقوقهم “البديهية” في خبز رخيص ونظيف وحقهم في كهرباء وماء صالح للشرب وفي الأمان والاستقرار، ومشدداً على أن هذه التظاهرات ليست لأجندة حزبية.
وفي مدينة الحسكة، تجمّع مواطنون أمام مبنى المحافظة للمطالبة بحقوقهم المعيشية والثقافية، حيث التقى المتحدث باسم الفريق الرئاسي السوري المكلّف بتنفيذ اتفاق 29 يناير مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالمحتجين وأفادهم بأن مطالبهم وصلت إلى الجهات المعنية.
المجلس الوطني الكردي: الإدارة الذاتية والحكومة تتحملان المسؤولية
حمّل المجلس الوطني الكردي، الذي يعد أبرز الأطر السياسية مقابل الإدارة الذاتية، الإدارة الذاتية التي وصفها بـ”سلطات الأمر الواقع” والجهات الحكومية المعنية، المسؤولية الكاملة عن “هذا التدهور والمعاناة الإنسانية المتزايدة التي يعيشها المواطنون”.
وطالب المجلس في بيان له بالإلغاء الفوري للزيادات الأخيرة على أسعار المحروقات، واتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الارتفاع المتواصل في الأسعار، داعياً إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والخدمية القائمة، وتقديم الدعم للقطاعات الزراعية والإنتاجية، واعتماد أعلى درجات الشفافية في إدارة عائدات الثروات الوطنية من نفط وموارد زراعية وإيرادات عامة.
مجلس سوريا الديمقراطية يدعو لإصلاح سياسي واقتصادي شامل
أعرب مجلس سوريا الديمقراطية عن قلقه البالغ إزاء التدهور المتسارع في الأوضاع المعيشية والاقتصادية في سوريا، محذراً من اتساع دائرة الفقر والعوز، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة السوريين على التحمل.
واعتبر المجلس في بيان له أن ما يعيشه السوريون اليوم “ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل نتيجة مباشرة لبنية سياسية مغلقة، وعجز مستمر عن إنتاج إصلاحات حقيقية في إدارة الدولة والاقتصاد”، مشيراً إلى أن استمرار هذا النهج يفاقم حالة الانهيار ويقوّض ما تبقى من مقومات الصمود المجتمعي، ويدفع بالمزيد من السوريين نحو الهجرة أو الارتهان لشبكات النفوذ والزبائنية، بما يهدد النسيج الوطني ويعمّق الانقسامات الاجتماعية.
وشدد المجلس على أن أي معالجة اقتصادية فعّالة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح سياسي جاد يعيد بناء المؤسسات على أسس القانون والشفافية، ويضع حداً للفساد والإفلات من المساءلة، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يتطلب بيئة سياسية تضمن المشاركة العامة والمواطنة المتساوية.
تحركات رسمية لمعالجة الأزمة
على الصعيد الرسمي، أصدر وزير الطاقة السوري محمد البشير قراراً بتشكيل لجنة دائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، مهمتها دراسة أسعار المواد البترولية وفق المتغيرات المحلية والدولية، ووضع الأسس والمعايير الخاصة بتحديد الأسعار وتحديثها بصورة دورية.
وعقدت اللجنة اجتماعها الأول برئاسة معاون وزير الطاقة لشؤون النفط، وناقشت آليات التسعير والعوامل المؤثرة في تحديد أسعار المشتقات النفطية محلياً وعالمياً، واتفقت على التوصية باعتماد الليرة السورية في جميع عمليات بيع المشتقات النفطية داخل الأراضي السورية.
كما عُقد اجتماع في مبنى محافظة الحسكة لبحث تسهيل تسويق محصول القمح وتخفيف الأعباء عن المزارعين، تم خلاله إقرار حزمة من التسهيلات والإجراءات الاستثنائية الرامية إلى تسريع عمليات استلام محصول القمح ومعالجة الازدحام في مراكز الاستلام.
وعلى المستوى المحلي، اجتمع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مع محافظ الحسكة لمناقشة سبل معالجة أزمة نقص المحروقات وارتفاع أسعارها، واتفقا على وضع “آلية دعم خاصة بمحافظة الحسكة” تهدف إلى تعزيز استقرار قطاع المحروقات ودعم خدماته.
أزمة معيشية خانقة تبحث عن حلول جذرية
بين احتجاجات يومية في شوارع القامشلي والحسكة، وانهيار نظام الدعم الذي ميّز المنطقة سنوات، وأزمة كهرباء خانقة تغرق المدن في الظلام، ومطالب سياسية واقتصادية متصاعدة من المجلس الوطني الكردي ومجلس سوريا الديمقراطية، تواجه مناطق شمال شرق سوريا أزمة معيشية غير مسبوقة، في وقت تتجه الأنظار إلى قدرة الجهات المعنية على تقديم حلول جذرية تنهي معاناة السكان وتستعيد الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
اندبندنت عربية



