تداول صِيغ «بديلة» للتدخل في لبنان: الشرع يلتفّ على «الوصفة» الأميركية

برغم نفي الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، نيته التدخل العسكري في لبنان، والذي يأتي على وقع الجهود المستمرّة من جانب الولايات المتحدة لاستعمال «الورقة السورية» كأداة ضغط على أطراف الملف اللبناني، بما فيها إسرائيل التي تعمل جاهدة على عرقلة الاتفاق الأميركي – الإيراني، ثمّة محاولة جادّة لأن تؤدي دمشق دوراً ما في هذا الملف.
«الوصفة الأميركية» التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لفرضها في صورة «تدخل عسكري مباشر من سوريا ضدّ حزب الله» – ويريد عبرها بالتالي سحب الذريعة الإسرائيلية لاستمرار الاعتداءات على سوريا -، والتي قوبلت برفض تركي – سعودي، وعدم رغبة واضح لدى حكومة الشرع، دخلت، وفق مصادر مطلعة، في صلب محادثات طويلة خاضتها السلطات الانتقالية مع مختلف الأطراف، وذلك في محاولة لإيجاد آلية «مرضية للجميع». وتأتي هذه المحاولة في ظلّ ما ينذر به التدخل العسكري المباشر من مخاطر كبيرة، سواء على مستوى سوريا نفسها التي تعيش حال هشاشة أمنية مستمرة، أو على مستوى السلطات الجديدة التي لا تزال تخضع لـ«رقابة دولية مشدّدة» بسبب خلفيتها المتشدّدة. ومن شأن تجاهل تلك المخاطر أن يفتح الباب أمام أزمات مركّبة، بعضها داخلي يرتبط بوجود تيارات تعتبر التدخل خدمة لإسرائيل، وبعضها الآخر خارجي يتّصل باحتمال إعادة النظر في مدى «جدارة» النظام الجديد.
إلى جانب ذلك، ثمّة مخاوف جدّية من ردة فعل إيران والفصائل العراقية على أيّ تدخل سوري واسع ضدّ «حزب الله»، الأمر الذي من شأنه أن يعيد سوريا إلى ساحة الصراع. وهذا تحديداً ما لا تريده السلطات الانتقالية ومن ورائها تركيا، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس برّاك، الذي يحاول تسويق التغيير في سوريا باعتباره نموذج «النتيجة التي ستحصل عليها القوى أو الدول التي تدخل تحت كنف واشنطن». على أن الشرع لم يغلق، في معرض ردّه على سؤال خلال لقاء على قناة «المشهد»، الباب بشكل نهائي أمام احتمال التدخل في لبنان؛ إذ رغم نفيه وجود نية من هذا النوع، فهو وافق على دور سوري في سياق «حلّ إبداعي»، وتحديداً على الحدود مع لبنان، حيث تعمل قواته على ضمان «قطع طرق إمداد الحزب»، وربّما «التدخل المحدود بحجة حماية الحدود».
وبينما اجتهدت دمشق خلال الشهور الماضية في تقديم ضمانات لواشنطن حول أمن الحدود مع لبنان، قد يفسح أيّ «توتر حدودي» المجال أمام دور محدود لدمشق، خصوصاً في حال وافقت السلطات اللبنانية على ذلك، وهو «أمر جوهري لن يحدث أيّ تدخل من دونه»، بحسب ما تحاجج به السلطات الانتقالية. ويعني ما تَقدّم منح حكومة لبنان «أدوات ضغط جديدة» ضد «حزب الله»، الأمر الذي قد يكون مقبولاً بالنسبة لأوروبا، وفرنسا على وجه التحديد، اللاعب الأوروبي الأبرز في هذا الملف. وعبّر الشرع صراحةً عن السيناريو المشار إليه بقوله إن «الحلّ لا يمكن أن يقتصر على المسار العسكري المستمر»، داعياً إلى «إجراءات أمنية تبدّد المخاوف السورية واللبنانية، وحتى الإسرائيلية»، مضيفاً أن «بيروت يمكنها الاعتماد على دمشق للبحث عن مسار آمن للحلّ (…) هذا لا يعني إحياء صيغة الوصاية السابقة، وإنما هو دعم وتقوية لمؤسسات الدولة اللبنانية».
وفي هذا السياق، يبرز الموقف الإسرائيلي الذي بدأ ينشغل بإمكانية أن تؤدي سوريا دوراً محورياً في الملف اللبناني، باعتباره «أمراً قد يحصل قريباً»، وهو ما يفسّر عقد اجتماع لمناقشته، وبحث أبعاده، لا سيما في ظلّ الضغط الأميركي المستمر على كلّ من تل أبيب ودمشق. ويأتي ذلك في ظلّ مخاوف إسرائيلية معلنة من توسّع الحضور التركي واقترابه أكثر من إسرائيل، الأمر الذي يتطلّب «تنسيقاً مباشراً بين دمشق وتل أبيب» لإزالة هذه المخاوف، وهي نقطة تحاول واشنطن استثمارَها لإعادة تحريك ملف الاتفاق الأمني المعلّق بين سوريا وإسرائيل، باعتباره البوابة الأفضل للتنسيق الأمني والعسكري.
وفي غضون ذلك، تتابع السلطات الانتقالية السورية حشد مزيد من القوات قرب الحدود مع لبنان، متابعةً تحرّكاتها العسكرية التي بدأت قبل نحو ثلاثة أشهر لـ«ضبط الحدود». ويجيء هذا وسط نفي أمني وعسكري مستمرَّين لما يُشاع عن ارتباط هذه التحشيدات، التي تمتدّ من ريف دمشق وصولاً إلى طرطوس وحمص، بوجود عملية عسكرية وشيكة.
الأخبار



