نجوم و مشاهير

“الحريف”.. لماذا “تبرأ” عادل إمام من فيلمه الشهير؟

في مشهد نادر، جمع مهرجان الغردقة لسينما الشباب بين نجمين من زمنين مختلفين في بوستر واحد؛ الفيلم الذي تخلى عنه “الزعيم” عادل إمام، والمخرج الذي رحل قبل عقد من الزمن. فبينما يحتفي المهرجان في دورته الرابعة بمرور 10 سنوات على رحيل المخرج الكبير محمد خان، اختار أن يكون شعاره الرسمي بوستر فيلم “الحريف”، ذلك العمل الذي جمع بينهما في تجربة فريدة، وإن كانت مثيرة للجدل.

فما الذي جعل عادل إمام، نجم الكوميديا الأول في مصر والعالم العربي، يتبرأ من فيلم أخرجه أحد عمالقة الواقعية في السينما المصرية؟ وما الذي دفع مهرجاناً دولياً إلى اختيار هذا الفيلم تحديداً شعاراً له؟ رحلة إلى كواليس أحد أكثر الأفلام إثارةً للجدل في تاريخ السينما المصرية.

عندما يتحول الملعب إلى ساحة معركة: قصة “الحريف”
يعود بنا فيلم “الحريف”، الذي أنتج عام 1984، إلى حقبة مختلفة تماماً من السينما المصرية. يجسد عادل إمام شخصية “فارس”، شاب بسيط يملك موهبة خارقة في لعبة كرة القدم، لكنه يضيع وقته في الساحات الشعبية، حيث تتحول المباريات إلى مراهنات مالية تدر عليه دخلاً سهلاً. هذا الإهمال يكلفه وظيفته في مصنع للأحذية، ويدفعه إلى دوامة من التحديات اليومية التي تعكس هموم الطبقة المتوسطة في مصر الثمانينيات.

الفيلم، الذي كتبه السيناريست الراحل بشير الديك، وأخرجه محمد خان، حمل بصمة الواقعية التي اشتهر بها المخرج. لم يكن فيلماً كوميدياً بالمعنى التقليدي، بل دراما اجتماعية قاسية تعكس معاناة البسطاء، بتفاصيلها اليومية المرة، بأحلامها التي تتحطم على صخرة الواقع.

من أحمد زكي إلى عادل إمام: دراما داخل الدراما
لكن خلف كواليس الفيلم، كانت هناك دراما أخرى لا تقل إثارة. فالشخصية كانت مكتوبة في الأساس لأحمد زكي، نجم الواقعية بامتياز، والذي بدا الخيار الطبيعي لتجسيد هذا الدور. لكن خلافاً حاداً نشب بين زكي والمخرج خان حول تفاصيل مظهر الشخصية، وتحديداً قصة الشعر. أصر زكي على حلاقة رأسه بالكامل لتأكيد واقعية الشخصية، بينما رفض خان ذلك، واعتبره إفراطاً غير مبرر. انسحب أحمد زكي غاضباً، وفتح الباب أمام عادل إمام لخوض مغامرة درامية لم يسبق لها مثيل في مسيرته.

وبدلاً من أحمد زكي، دخل عادل إمام على الخط، مجسداً دوراً تراجيدياً خالصاً، بعيداً كل البعد عن الكوميديا التي اعتادها جمهوره. لكن هذا التحدي لم يكن سهلاً، وكانت النتائج صادمة للجميع.

كارثة شباك التذاكر ونهاية الشراكة
اعتاد عادل إمام في تلك الفترة على صدارة شباك التذاكر بأفلامه الكوميدية الناجحة مثل “حب في الزنزانة” و”المشبوه” و”على باب الوزير” و”عصابة حمادة وتوتو”. لكن “الحريف” كان مختلفاً. الإيرادات كانت ضعيفة للغاية، بل وصل الأمر إلى أن الجمهور كان يغادر قاعات السينما في منتصف العرض، غير قادر على تقبل النبرة المأساوية للفيلم.

في المقابل، حقق أحمد زكي في ذلك التوقيت بالذات نجاحاً تجارياً كبيراً بفيلم “شادر السمك”، متجاوزاً بمراحل إيرادات “الحريف”. كانت هذه الصفعة كافية لجعل عادل إمام يعلن تبرؤه من التجربة، مؤكداً للمقربين منه أنه “ندم” على خوضها، وأنه لن يتعاون مع محمد خان مجدداً.

بين الإخفاق التجاري والخلود النقدي: إنصاف التاريخ
ورغم هذا الفشل التجاري الذي أثار غضب “الزعيم”، فإن التاريخ كان أكثر إنصافاً مع “الحريف”. فمع مرور السنين، أعاد النقاد والمؤرخون اكتشاف الفيلم، واعتبروه واحداً من أهم الأعمال في تاريخ السينما المصرية. صُنف الفيلم في المركز الحادي والتسعين ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، واعتبره النقاد دليلاً على قدرات عادل إمام التمثيلية الاستثنائية في الأداء التراجيدي الخالص.

هذا الإنصاف النقدي المتأخر هو ما يدفع اليوم مهرجان الغردقة لسينما الشباب إلى اختيار بوستر الفيلم شعاراً لدورته الرابعة، تكريماً لمحمد خان، وإعادة اعتبار لعمل كان سابقاً لعصره.

إرث “الحريف”: دروس في الجرأة الفنية
قصة “الحريف” ليست مجرد حكاية فشل تجاري، بل هي درس في الجرأة الفنية، وفي العلاقة المعقدة بين النجومية والفن، وبين الجمهور والنقاد. فهي تثبت أن بعض الأعمال تولد خارج زمانها، وتحتاج إلى عقود لكي يفهمها الجمهور ويقدرها.

ويشارك في بطولة هذا العمل الكلاسيكي إلى جانب عادل إمام كل من الفنانين: عبد الله فرغلي، وزيزي مصطفى، ونجاح الموجي، وحمدي الوزير، ليظل الفيلم شاهداً على فترة من أهم فترات السينما المصرية، حيث كان التجريب والواقعية يزيحان أحياناً الكوميديا الخفيفة، وإن كلف ذلك النجوم غالياً في شباك التذاكر.

إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى