إعادة إعمار سوريا… لماذا لا تدفق الأموال؟

بعد مرور أكثر من عام ونصف على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا، تبقى الفجوة هائلة بين حجم الدمار المادي الهائل الذي خلفته الحرب وبين التدفقات المالية الفعلية المخصصة لإعادة الإعمار، إذ لا تتجاوز التمويلات والتعهدات التي يمكن رصدها بوضوح في هذا المجال 1.66 مليار دولار، في حين تبلغ التكلفة التقديرية لإعادة بناء الأصول المتضررة وفقاً لآخر تقارير البنك الدولي نحو 216 مليار دولار، أي أن ما تم تخصيصه فعلياً لا يصل حتى إلى 1% من هذا الرقم الضخم.
ومع أن المجتمع الدولي تعهد خلال مؤتمر بروكسل التاسع في مارس 2025 بمبلغ 5.8 مليار يورو (نحو 6.3 مليار دولار) لدعم سوريا والمنطقة، إلا أن هذا الرقم لا يعكس واقع التدفقات المالية إلى الداخل السوري، إذ تشمل هذه التعهدات مساعدات إنسانية ودعماً للاجئين والمجتمعات المضيفة في دول الجوار، فضلاً عن كونها تعهدات متعددة السنوات، وما زال تتبع مصيرها الفعلي صعباً بسبب غياب منصة وطنية شفافة تتابع مسار الأموال من التعهد إلى الالتزام إلى التحويل إلى الصرف النهائي، وهو ما تعترف به الحكومة السورية نفسها التي لم تطلق حتى الآن أي آلية وطنية لمتابعة هذه التعهدات والإيفاء بها، على الرغم من إعلانها عن بعض المنح الثنائية من دول مثل السعودية واليابان وإيطاليا والبنك الدولي، والتي حددت بعضها مشاريع محددة في قطاعات المياه والكهرباء والري، لكنها تظل دون متابعة علنية للإنجاز والتنفيذ.
أرقام تكشف الفجوة بين التعهدات والتنفيذ
من خلال رصد المصادر المفتوحة، بلغ إجمالي التعهدات المعلنة لدعم سوريا خلال 18 شهراً حوالي 12.11 مليار دولار، لكن نحو 86.3% منها تندرج تحت بند المساعدات الإنسانية والعملياتية قصيرة الأمد، في حين لا يمثل الجزء المخصص بوضوح لإعادة الإعمار والتعافي المستدام سوى 13.7% فقط، أي نحو 1.66 مليار دولار، موزعة بين قطاعات الكهرباء (146 مليون دولار)، والمياه والصحة (225 مليون دولار من البنك الدولي)، إضافة إلى مشاريع سعودية وقطرية في مجالات الطاقة والمياه.
إعادة الإعمار… بين التباطؤ الداخلي والتحفظ الخارجي
لم يقتصر التأخر في إعادة الإعمار على الجانب التمويلي فقط، بل تمتد جذوره إلى عوامل داخلية وخارجية معقدة. داخلياً، يواجه العائدون إلى منازلهم المدمرة تكاليف باهظة لا يستطيع معظمهم تحملها، إلى جانب قيود حكومية وشروط ترميم معقدة في مناطق مثل حي جوبر بدمشق. أما خارجياً، فما زال المانحون يبدون تحفظات تتعلق بآليات الحوكمة والشفافية، ومدى قدرة الحكومة السورية على ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، سواء عبر الدولة أو منظمات المجتمع المدني، في ظل غياب خطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار.
ولا يمكن تجاهل أن الأزمات الدولية المتلاحقة – من أوكرانيا إلى غزة ولبنان، وصولاً إلى التوترات الإيرانية الأمريكية – قد أثرت بشكل مباشر في ترتيب أولويات المجتمع الدولي، مما قلص حصة سوريا من الاهتمام والتمويل في وقت هي بأمس الحاجة إليه.
الاستثمار لا يعيد بناء المنازل المدمرة
ورغم توقيع العديد من مذكرات التفاهم حول استثمارات في قطاعات الطاقة والنفط، فإن هذه المشاريع، حتى لو دخلت حيز التنفيذ، لا تعالج معاناة السوريين الذين فقدوا منازلهم، فهي تستهدف القطاعات المربحة ولا تغطي إعادة بناء المنازل المهدمة أو إعادة تأهيل الأحياء المتضررة، وهو ما يتطلب منحاً دولية ومشاريع إعمار غير ربحية تتبناها الأمم المتحدة والدول المانحة بشكل مباشر.
الفجوة الإنسانية تتعمق
على صعيد الاستجابة الإنسانية، تشير بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن تمويل خطة الاستجابة لعام 2025 بلغ نحو 1.37 مليار دولار من أصل 3.19 مليار دولار مطلوبة، أي بتغطية 43% فقط، بينما لم تتجاوز نسبة تمويل خطة أولويات 2026 حتى الآن 20.4% من إجمالي 2.92 مليار دولار مطلوبة، مما يترك فجوة تمويلية تصل إلى 2.33 مليار دولار، في مؤشر واضح على أن سوريا ما زالت عالقة في مرحلة منع الانهيار ودعم الصمود، ولم تدخل بعد إلى مرحلة إعادة الإعمار الفعلية التي تتطلب جهداً دولياً منسقاً وإرادة سياسية واضحة، إلى جانب خطة وطنية شاملة قادرة على بناء الثقة مع المجتمع الدولي وضمان الاستخدام الأمثل للموارد.
سناك سوري



