جولة مظلوم عبدي الأوروبية تثير استياء دمشق.. تساؤلات حول اندماج ” قسد” في الدولة

في مشهد يعكس حالة من التوجس السياسي التي تكتنف العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، أثارت الجولة الأوروبية الأخيرة التي قام بها القائد العام لـ”قسد”، مظلوم عبدي، والتي شملت إيطاليا وفرنسا، موجة من الاستياء في العاصمة السورية، حيث اعتبرت هذه الخطوة بمثابة تجاوز للبروتوكولات الدبلوماسية الراسخة، خاصة في ظل الحديث عن تفاهمات مرتقبة بين الطرفين حول مستقبل المنطقة الشرقية.
فقد أكد مصدر دبلوماسي سوري، في تصريح لمنصة “سوريا الآن”، أن دمشق تنظر إلى هذه الزيارة باعتبارها عملاً فردياً غير مخول، إذ يفتقد عبدي إلى أي صفة رسمية أو تفويض قانوني يسمح له بإجراء مباحثات من هذا المستوى مع عواصم أجنبية. وأضاف المصدر أن استقبال الدول الأوروبية لعبدي في هذا التوقيت يشكل خرقاً للأعراف الدبلوماسية، في وقت تعمل فيه الحكومة السورية على ترسيخ سيادتها واستعادة مؤسساتها.
يُذكر أن هذه الجولة الأوروبية جاءت بعد أيام قليلة من لقاء ثلاثي عُقد في أربيل، ضم عبدي إلى جانب المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، ورئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني. وبحث المجتمعون في ذلك اللقاء التطورات الميدانية والسياسية في سوريا، وآليات تنفيذ الاتفاقات المبرمة بين “قسد” والحكومة السورية، إضافة إلى ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى.
قراءة تحليلية: “قسد” بين الاندماج والمكاسب السياسية
من جهته، يرى المحلل السياسي جمال رضوان أن “قسد” لم تستوعب بعد التحولات الجذرية التي طرأت على الساحة السورية، ولا تزال تراهن على دور سياسي مستقل يتجاوز إطار الدولة المركزية. وقال رضوان في حديثه لـRT إن جولة عبدي الأوروبية تأتي في سياق محاولة استعادة أوراق ضغط كانت قد فقدتها، خاصة في ظل الانسحاب الأمريكي المزمع وتحول التنسيق الأمني بالكامل إلى السلطات في دمشق.
وأضاف رضوان أن توقيت الجولة يثير الريبة، إذ تتزامن مع مرحلة حساسة من تنفيذ اتفاق 29 يناير 2026، الذي ينص صراحة على اندماج عناصر “قسد” في مؤسسات الدولة السورية كأفراد، وليس ككيان منفصل. ومن هذا المنطلق، يرى رضوان أن ما قام به عبدي قد يُفسر كمحاولة لإعادة فتح النقاط التي تم حسمها، أو للبحث عن تأويلات جديدة تمنح “قسد” مكاسب إضافية، في وقت تسعى فيه الحكومة السورية لتحقيق استقرار شامل ودفع عجلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، وهو ما يتعارض مع أي حالة من الغموض في الأدوار السياسية والعسكرية.
رأي مغاير: زيارة مشروعة في إطار التفاهمات
في المقابل، يقدم المحلل السياسي الكوردي وليد طاووز قراءة مختلفة، معتبراً أن جولة عبدي لا تعكس أي نية للخروج من التفاهمات مع دمشق، بل هي محاولة مشروعة لتحسين موقع “قسد” التفاوضي ضمن الإطار الوطني. وقال طاووز في تصريح لـRT إن الخطاب الرسمي السوري يتعامل مع “قسد” وكأنها انحلت فعلياً، في حين أن حضورها السياسي والرمزي ما زال قائماً، بدليل استمرار اللقاءات رفيعة المستوى التي حضرها باراك شخصياً في أربيل.
وأشار طاووز إلى أن الانتقادات الموجهة لعبدي بسبب عدم انتسابه إلى المؤسسة الرسمية هي ذاتها التي تمنحه شرعية التحرك باسم مكون كردي بارز، طالما أن تطبيق اتفاق يناير لم يكتمل بعد، وما زال هناك مجال للبحث عن ضمانات ومكاسب سياسية إضافية، دون أن يعني ذلك تجاوزاً للسيادة الوطنية.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تسعى “قسد” من خلال هذه التحركات الأوروبية إلى تعزيز موقعها في مفاوضات الاندماج، أم أنها تحاول الاحتفاظ ببعض أوراق القوة المستقلة في مواجهة متغيرات إقليمية ودولية متسارعة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتضح تدريجياً مع تطور مسار تنفيذ اتفاق 29 يناير، الذي يُعد المفتاح الأساسي لاستقرار سوريا الداخلي، والمرسم النهائي لحدود الأدوار لكل الأطراف في المرحلة المقبلة.
روسيا اليوم



