لماذا لم تنخفض أسعار النفط في سورية رغم تراجعها عالميًا؟

شهدت أسواق الطاقة العالمية خلال الأيام الماضية انخفاضًا في أسعار النفط، عقب الإعلان عن مذكرة تفاهم لوقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تطور أنهى حالة من التوتر أثرت على إمدادات الطاقة وأثارت مخاوف الأسواق.
وسجل خام برنت تراجعًا بنحو 3.1% ليستقر دون مستوى 78 دولارًا للبرميل، وهو أدنى سعر له منذ بداية شهر آذار، كما انخفضت أسعار الوقود في عدد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث هبط متوسط سعر البنزين إلى أقل من أربعة دولارات للغالون للمرة الأولى منذ عدة أشهر.
ويرجع هذا الانخفاض إلى استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط، الأمر الذي خفف المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
لكن على الجانب السوري، لم ينعكس هذا التراجع على أسعار المحروقات، إذ بقيت الأسعار المحلية دون أي تعديل، رغم أن الارتفاعات السابقة كانت تُبرر إلى حد كبير بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.
أسعار المحروقات في سورية
كانت الشركة السورية للبترول قد رفعت أسعار المشتقات النفطية في السابع من أيار الماضي، بنسب تراوحت بين 17 و30%.
وبموجب القرار، ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 0.88 دولار بدلًا من 0.75 دولار، كما زاد سعر ليتر بنزين أوكتان 90 إلى 1.10 دولار، وبنزين أوكتان 95 إلى 1.15 دولار.
وشملت الزيادة أيضًا أسطوانات الغاز، حيث ارتفع سعر الأسطوانة المنزلية إلى 12.5 دولار، بينما وصل سعر الأسطوانة الصناعية إلى 20 دولارًا.
وفي ظل استمرار تراجع قيمة الليرة السورية أمام الدولار، بقيت أسعار الوقود عند مستوياتها المرتفعة رغم انخفاض الأسعار العالمية.
لماذا لم تنخفض الأسعار؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد أن تفسير هذه الظاهرة يتطلب النظر إلى طبيعة الاقتصاد السوري الحالي، الذي تأثر خلال سنوات الحرب بالعقوبات وتراجع الإنتاج والانكماش الاقتصادي.
ويشير إلى أن آلية التسعير في سوريا لم تعد تعتمد بصورة مباشرة على أسعار النفط العالمية، بل أصبحت مرتبطة بعوامل داخلية، أبرزها العجز المالي، وارتفاع تكاليف الاستيراد، والعقوبات، إضافة إلى محدودية الموارد النفطية المحلية.
وأوضح أن انخفاض سعر النفط عالميًا لا يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض تكلفة الاستيراد، لأن عمليات شراء المشتقات النفطية تتم عبر قنوات معقدة تتضمن وسطاء وتكاليف نقل وتأمين مرتفعة، فضلًا عن القيود المالية المفروضة على سورية.
كما أصبحت مبيعات المحروقات مصدرًا مهمًا لإيرادات الدولة في ظل تراجع الموارد الأخرى، وهو ما يجعل أي خفض للأسعار يؤثر مباشرة على الإيرادات العامة.
عوامل أخرى تتحكم بالسعر
ويضيف الخبير الاقتصادي أن هناك عدة أسباب تجعل الأسعار المحلية أقل استجابة للتغيرات العالمية، من أبرزها:
ارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة العقوبات وصعوبة عمليات النقل والتأمين.
استمرار العجز في الموازنة العامة واعتماد الحكومة على إيرادات بيع المحروقات.
انخفاض كفاءة المصافي المحلية وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة.
اعتماد التسعير بصورة كبيرة على سعر صرف الدولار في السوق المحلية أكثر من ارتباطه بسعر خام برنت.
وبذلك، يصبح سعر الصرف أحد أهم العوامل المؤثرة في تكلفة المحروقات داخل سوريا، حتى مع انخفاض أسعار النفط عالميًا.
مقترحات لإصلاح آلية التسعير
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن معالجة هذه الفجوة تتطلب إصلاحًا تدريجيًا في سياسة التسعير، من خلال اعتماد معادلة واضحة تربط الأسعار المحلية بعدة عناصر، تشمل أسعار النفط العالمية، وسعر صرف الليرة، إضافة إلى تكاليف النقل والتأمين والتكرير.
كما يقترح توجيه أي وفورات مستقبلية نحو دعم القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والنقل العام، بدلًا من خفض الأسعار بشكل شامل، بما يسهم في تخفيف تكاليف الإنتاج وتحسين النشاط الاقتصادي.
وأشار أيضًا إلى أهمية ترشيد استهلاك الطاقة، عبر تطوير وسائل النقل العام، وتشجيع استخدام الغاز الطبيعي، والاستثمار في مشاريع كفاءة الطاقة، بما يقلل من فاتورة الاستيراد على المدى الطويل.
عنب بلدي



