تدخل سوريا عسكريا في لبنان… محاذيره وأخطاره على بيروت ودمشق

حرب لا ناقة لنا بها ولا جمل، عبارة تلخص لسان حال الشارع السوري، ورفضه إعادة حقبة السبعينيات من القرن الماضي حين دخلت القوات المسلحة إلى الأراضي اللبنانية، وثمة تساؤلات ومخاوف من تكرار السيناريو ذاته اليوم في ظل تلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدور سوري في محاربة الميليشيات الموالية لإيران في لبنان.
في الأثناء، لفت المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا إلى وجوب التنسيق مع لبنان لأية مساعدة تقدمها بلاده مع تشديده على حرص سوريا على إقامة علاقات أخوية مع جيرانها لا سيما لبنان، وقال “لبنان دولة ذات سيادة، وليست ساحة خلفية كما رآها النظام السابق، وحريصون على عمقنا العربي ونعمل باستمرار على تعزيزه”.

تنسيق أمنى
تزامن هذا الموقف مع اتصالات رسمية بين البلدين، وزيارة لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى دمشق للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع في التاسع من مايو (أيار) الماضي تمحورت حول العلاقات الثنائية بخاصة التنسيق الأمني بين بيروت ودمشق.
في السياق، استبعد الأستاذ الجامعي في القانون الدولي العام عامر فاخوري دخول الجيش السوري إلى لبنان “بينما المطروح أقرب إلى ورقة ضغط على ’حزب الله‘ وإيران، وربما إلى دور سوري حدودي أو أمني محدود، وليس إلى اجتياح أو دخول عسكري مباشر إلى الداخل اللبناني”، وإذ لفت إلى أن ما يجري أقرب إلى حرب نفسية وسياسية أكثر من كونه قراراً عسكرياً جاهزاً، رأى أن “هناك أطرافاً تريد القول لـ’حزب الله‘: لم تعد الجبهة الجنوبية وحدها مفتوحة عليك، بل قد تصبح الجبهة الشرقية أيضاً مصدر ضغط عليك”، وأضاف “المستفيد المباشر من تداول هذا السيناريو إسرائيل والولايات المتحدة، لأن مجرد طرح فكرة دخول سوريا يربك ’حزب الله‘، ويضغط على إيران في التفاوض، ويعطي انطباعاً بأن البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب تضيق عليه”.

الحرب في المنطقة
وسط هذه الأجواء، تعيش حدود الدولتين الجارتين سوريا ولبنان أصعب أوقاتها منذ اندلاع الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وبات واضحاً أن هذا الصراع قد يمتد ليشمل دول المنطقة التي تحاول أن تنأى بنفسها عن هذه الحرب.
ومع هذا يُنظر إلى سوريا على أنها صاحبة دور جديد في تصفية “حزب الله”.
من هنا، يتفق الباحث في الشؤون الدولية فراس بوزان مع ما جاء في كلام أستاذ القانون الدولي عامر فاخوري، لافتاً إلى أن خطوة كهذه (دخول سوريا إلى لبنان) لا تصب في مصلحة دمشق وبيروت معاً، ولن تُقدم دمشق عليها إلا تحت ضغط كبير من قبل أطراف دولية، بشرط وجود غطاء إقليمي – عربي داعم لها، وجزم بأنه “وفق حسابات الفوائد والأخطار فإن الأخطار الآنية والاستراتيجية لا تبرر أية فائدة متوقعة”.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمّح إلى إمكانية أن تؤدي سوريا دوراً في تسهيل ضربات أكثر دقة ضد ميليشيات “حزب الله” من دون أن يوضح طبيعة هذه المهمة، بينما ذكرت مجلة “فورين بوليسي” أن هذا المقترح ناقشته واشنطن في مارس (آذار) الماضي، لكن دمشق عارضت الاقتراح وحذرت من الانجرار نحو “مواجهة إقليمية جديدة”، ومن أخطار إشعال
“فتيل توترات سياسية وطائفية في سوريا”.
من ناحيته، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن ما يتداول بهذا الشأن “لا يعدو كونه شائعات”، لافتاً إلى أهمية السعي لإيقاف الحرب في لبنان، “وليس توسيعها أو الانخراط فيها”، وأشار إلى أن ملف ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان ليس مطروحاً كأولوية في المرحلة الحالية في ظل وجود أكثر من 1,4 مليون نازح سوري في لبنان والعمل على إيجاد آلية مناسبة لعودتهم.
الذاكرة زمن الوصاية
وتخوف مراقبون من تداعيات توغل كهذا في حال حصوله سواء في لبنان أو في سوريا، في وقت لم ينسَ اللبنانيون ولا السوريون ما خلفته الوصاية السورية على لبنان في ظل حكم عائلة الأسد (الرئيس الراحل حافظ الأسد والرئيس المخلوع بشار الأسد).
وسط هذه الأجواء، تعزز دمشق حدودها المشتركة مع لبنان، بقوات أمنية، ودوريات عسكرية في مدن رئيسة وحدودية بخاصة في القلمون (منطقة واسعة تمتد على طول الحدود السورية – اللبنانية شمال دمشق)، والقصير (نقطة وصل مهمة بين وسط سوريا ومنطقة البقاع في لبنان) وغيرها من المناطق الحدودية الشاسعة والمتداخلة لتمنع تهريب السلاح، فضلاً عن إقامة تنسيق أمني مع الدولة اللبنانية.
ارتدادات على الساحة اللبنانية
وتحدث فاخوري عن تداعيات هذا الدخول في حال حدوثه، وانعكاساته على سوريا بما ستكسبه من رضا أميركي أو إسرائيلي موقت، “لكنها قد تخسر استقرارها الداخلي، وتدخل في مواجهة مع بيئة لبنانية شيعية، وربما تستفز إيران أو حلفاءها، وأي دخول جديد سيعيد فتح هذا الملف بكل ثقله”، وتابع أيضاً “دمشق قد تربح كثيراً إذا ضبطت حدودها، لكنها قد تخسر كثيراً إذا دخلت لبنان، هناك فرق بين أن تكون سوريا دولة تضبط حدودها، وبين أن تصبح طرفاً مباشراً في الحرب اللبنانية، الأولى تعطيها شرعية، والثانية قد تحرقها سياسياً وأمنياً”.
أما الارتداد على لبنان، أضاف فاخوري “أولاً بالانقسام الداخلي، فهناك من سيعتبر أي دور سوري ضغطاً مطلوباً على ’حزب الله‘، وهناك من سيعتبره عودة للوصاية السورية أو انتهاكاً للسيادة، مما سيزيد الانقسام بدل أن يعالج مشكلة السلاح. الأثر الثاني سيكون أمنياً، إذ إن دخول الجيش السوري قد يفتح جبهة جديدة في البقاع أو على الحدود الشرقية، وقد يوسع الحرب بدل أن يحصرها، إسرائيل تضغط من الجنوب، وإذا فتحت جبهة من الشرق، يصبح لبنان أمام خطر التفكك الأمني الكامل”.
أما الأثر الثالث على لبنان فسيكون سياسياً وسيادياً “لا يمكن للبنان أن يطالب بحصر السلاح بيده ثم يقبل أن تأتي قوة خارجية لتقوم بالمهمة عنه، وهذا يضعف فكرة الدولة نفسها، فنزع السلاح، أو ضبط السلاح، يجب أن يكون بقرار لبناني وبأدوات لبنانية، مع دعم دولي إذا لزم، لا بتدخل عسكري خارجي”.
الأمران غير متوفرين
في المقابل، لفت الباحث في الشؤون الدولية فراس بوزان الانتباه إلى انعكاسات التدخل بالعودة إلى التاريخ، لا سيما حين حصل التدخل السوري (أيام حكم عائلة الأسد) وفق ترتيب إقليمي وفي ظل وجود حلفاء محليين، “لكن حالياً الأمران غير متوفرين”.
أما على سوريا “فالارتدادات قد تكون أخطر”، وفق بوزان، إذ إن البلد خارج من مرحلة معقدة تحتاج إلى ترميم الداخل، “ضبط الأمن، وإعادة بناء المؤسسات، واقتصاد منهك مع سوء في الأحوال الاقتصادية والمعيشية، والتدخل، ومن ثم سيزيد من بؤس الناس وإرهاق الخزينة”.
وبحسب فاخوري “دخول دمشق في حرب لبنان قد يستنزف جيشها، ويعيد فتح خطوط الصراع مع إيران و’حزب الله‘، ويخلق حساسيات داخلية وطائفية لا تحتاج إليها دمشق الآن”، وختم “الأرجح أن الحديث عن هذا السيناريو يستخدم للضغط على ’حزب الله‘ وإيران، وربما لدفع دمشق إلى ضبط حدودها أكثر، أما الدخول العسكري المباشر فهو مغامرة خطرة لا تخدم سوريا، ولا تخدم لبنان، وقد تمنح ’حزب الله‘ فرصة سياسية لإعادة تقديم نفسه كقوة تواجه تدخلاً خارجياً، والمطلوب ليس إدخال سوريا إلى لبنان، بل تمكين الدولة اللبنانية، وضبط الحدود السورية – اللبنانية، ومنع استخدام لبنان كساحة حرب إقليمية”.
اندبندنت عربية



