من يوقف موجة الغلاء؟

لم يعد ارتفاع الأسعار في سورية ظاهرة مؤقتة أو مرتبطة بأحداث استثنائية، بل أصبح واقعًا يوميًا يثقل كاهل المواطنين ويؤثر بشكل مباشر في مستوى معيشتهم. ومع كل ارتفاع جديد في سعر صرف الدولار، تتراجع القدرة الشرائية للأجور، بينما تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة.
ورغم أن تقلبات سعر الصرف تعد من أبرز أسباب الغلاء، إلا أن حصر المشكلة بها وحدها يتجاهل عوامل أخرى، في مقدمتها السياسات الاقتصادية ومدى قدرتها على الحد من التضخم وحماية القوة الشرائية للمواطنين.
وخلال الأشهر الماضية، سجل الدولار في السوق الموازية ارتفاعًا ملحوظًا، بعدما انتقل من نحو 11.6 ألف ليرة مطلع العام إلى قرابة 14.5 ألف ليرة في منتصف حزيران، كما شهد ارتفاعًا سريعًا خلال أيام قليلة من الشهر الحالي، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والدواء والنقل والخدمات ومختلف تكاليف الإنتاج.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول الدور الذي يمكن أن تؤديه الدولة للحد من تداعيات التضخم، إذ تعتمد معظم الدول على أدوات نقدية ومالية ورقابية لكبح ارتفاع الأسعار، في حين يؤدي الاكتفاء بالتكيف مع التضخم بدل مواجهته إلى تحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفة الأزمة.
وشهدت السنوات الماضية تراجعًا تدريجيًا في حجم الدعم المقدم للسلع والخدمات الأساسية، بالتزامن مع سياسات هدفت إلى تقليص الإنفاق العام، وهو ما انعكس على الأسر التي أصبحت تتحمل تكاليف أكبر للطاقة والنقل والاحتياجات الأساسية، رغم تراجع قيمة دخولها.
وفي المقابل، لم ترافق هذه الإجراءات سياسات إنتاجية كافية لتعويض آثار تقليص الدعم، إذ ما يزال القطاع الزراعي يواجه ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج وضعفًا في التمويل والاستثمار، بينما يعاني القطاع الصناعي من مشكلات مرتبطة بالطاقة والتمويل وارتفاع تكاليف التشغيل وعدم استقرار سعر الصرف.
وأدى ذلك إلى زيادة اعتماد السوق المحلية على المستوردات، ما جعل الأسعار أكثر تأثرًا بأي تغير في سعر الصرف، في وقت تراجعت فيه قدرة القطاعات الإنتاجية على توفير بدائل محلية تخفف الضغوط عن الأسواق.
ومن أبرز التحديات أيضًا أن موجات الغلاء غالبًا ما تسبق أي زيادات في الرواتب، إذ تعمد الأسواق إلى رفع الأسعار بمجرد الإعلان عن أي زيادة متوقعة في الأجور، الأمر الذي يفقد تلك الزيادات جزءًا كبيرًا من قيمتها قبل أن يستفيد منها العاملون.
ورغم رفع الحد الأدنى للأجور خلال العام الجاري، فإن المعيار الحقيقي يبقى في قدرة هذه الرواتب على تلبية الاحتياجات الأساسية، وليس في قيمتها الاسمية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخول.
ويرى مراقبون أن معالجة التضخم لا تتحقق عبر زيادة الرواتب وحدها، وإنما تتطلب حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية، تشمل دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وتحفيز الاستثمار، وتوفير بيئة مناسبة للمنتجين، إلى جانب تعزيز الإنفاق التنموي الذي يسهم في توسيع النشاط الاقتصادي.
كما يؤكدون أن ضبط الأسواق يحتاج إلى رقابة فعالة وإجراءات مستدامة، وليس إلى حملات مؤقتة، مع وضع حماية القدرة الشرائية للمواطنين ضمن أولويات السياسة الاقتصادية.
وفي ظل استمرار تراجع القوة الشرائية، بات كثير من الأسر غير قادر على تغطية احتياجاته الأساسية، الأمر الذي يجعل أزمة الأسعار تتجاوز كونها مشكلة معيشية لتصبح تحديًا اقتصاديًا يتطلب مراجعة شاملة للسياسات المتبعة.
ويحذر خبراء من أن استمرار الاعتماد على رفع الأسعار وتقليص الدعم دون إطلاق برامج حقيقية لدعم الإنتاج واستقرار سعر الصرف وزيادة الدخل سيؤدي إلى تحميل أصحاب الأجور ومحدودي الدخل العبء الأكبر للأزمة، في وقت تتراجع فيه قدرتهم على مواجهة تكاليف المعيشة عامًا بعد آخر.
سيريا ستيبس



