انخفض سعر البيض فارتفعت الجلطات… قصة تكشف أزمة الثقة بالمعلومة العلمية

في تطور لافت يعكس تداخل الصحة العامة مع ثقافة التواصل الرقمي، أصدرت وزارة الصحة السعودية تحذيراً رسمياً من مغبة استبدال العلاجات الطبية الموصوفة بـ”نظام الطيبات” الغذائي، وذلك بعد رصد حالات مرضية دخلت أقسام الطوارئ والعناية المركزة إثر توقفهم عن تناول أدوية السكري دون استشارة طبية، في مشهد يُعيد طرح أسئلة جادة حول تأثير المحتوى الصحي غير الموثوق على حياة الأفراد.
تحذير رسمي وسط حالات حرجة
وجاء تنبيه الوزارة في توقيت متزامن مع تصاعد النقاشات والتقارير الطبية التي تحدثت عن مضاعفات صحية خطيرة بين متبعي هذا النظام في عدة دول، تضمنت جلطات قلبية ودماغية، وهو ما دفع الجهات الصحية إلى التحرك سريعاً لتوضيح المخاطر، مؤكدةً عدم وجود أدلة علمية كافية تدعم الاعتماد على هذا النظام كبديل عن العلاجات المعتمدة للأمراض المزمنة، مع الإشارة إلى أن استبعاد مجموعات غذائية كاملة قد يؤدي إلى نقص حاد في العناصر الغذائية الأساسية.
البرلمان المصري يدخل على الخط
ولم يقتصر الجدل على السعودية، إذ امتد إلى مصر حيث دخل البرلمان على خط الأزمة، مطالباً الجهات المختصة بمراجعة اشتراطات المطاعم التي تروج لوجبات تحت مسمى “الطيبات”، والتدقيق في إعلاناتها التي تزعم فوائد علاجية غير مثبتة، وسط مخاوف من استغلال المخاوف الصحية للمواطنين لأغراض تجارية، خاصة مع تحول الظاهرة من مجرد محتوى رقمي إلى نشاط تجاري منظم.
مقاطع قصيرة.. وتأثير طويل
وتتضخم الظاهرة في البيئة الرقمية عبر مقاطع فيديو قصيرة تحمل وعوداً بإنقاص الوزن وتحسين الهرمونات واستعادة “الصحة الطبيعية”، ليجد الملايين أنفسهم يستهلكون معلومات صحية من مؤثرين قد لا يحملون أي مؤهل طبي، متجاهلين في كثير من الأحيان رأي المتخصصين، فيما يستند “نظام الطيبات” إلى فكرة تناول الأطعمة الأقرب للفطرة واجتناب المصنعة، وهي فكرة لقيت رواجاً بعد وفاة الطبيب ضياء العوضي، الشخصية الأبرز في الترويج لهذا التوجه، حيث عادت مقاطعه القديمة للانتشار بقوة.
لغته عاطفية ودينية.. وقوته تكمن في الهوية
وما يميز هذا النظام أنه لا يقدم مجرد نصائح غذائية جافة، بل يخاطب المشاعر والمعتقدات، فيربط بين الطعام والنقاء والعودة إلى الفطرة، ويعد بتحسين المزاج والطاقة والخصوبة، وهنا يكمن سره الأكبر، إنه يبني نظاماً غذائياً، لكنه في الوقت نفسه يقدم هوية وأسلوب حياة، مما يجعله أكثر التصاقاً بالناس وأقل عرضة للنقد العلمي الجاف.
قصص من المستشفيات.. وعبرات من العيادات
وفي مصر، أثار طبيب القلب خالد حامد موجة تفاعل واسعة بعدما كشف عن إنقاذه مريضاً أصيب بجلطة حادة في الشريان التاجي، بعد توقفه لأشهر عن أدوية الكوليسترول والسيولة متأثراً بهذا النظام، محذراً من مغبة استبدال العلاجات الطبية بنصائح رقمية غير مدروسة.
وفي المغرب، تحدثت تقارير محلية عن مضاعفات صحية مماثلة بين متبعي النظام، تضمنت جلطات دماغية ومضاعفات سكري، مما زاد من حالة القلق والتساؤل حول مدى خطورة هذه الظاهرة التي تحولت من فضول غذائي إلى خطر صحي حقيقي.
البيض والدجاج.. ضحية جديدة للاتجاهات الرقمية
ولعل البيض خير مثال على قدرة منصات التواصل في إعادة تشكيل عادات المستهلكين، إذ وجد نفسه فجأة محور اتهامات بالالتهابات ومشكلات الهضم، مما دفع البعض إلى تقليل استهلاكه أو التحول إلى أنواع أغلى ثمناً، وفي بعض الدول، رُبط هذا التوجه بتراجع غير مسبوق في أسعار البيض، دون أن يكون هناك إثبات علمي على صحة هذه المخاوف.
ولم يسلم الدجاج من الموجة نفسها، حيث انتشرت مقاطع تزعم أنه “لم يذكر في القرآن” أو أنه غير صحي بسبب الأعلاف الصناعية والمضادات الحيوية، ووصل الأمر إلى حد منعه بالكامل في بعض البيوت، واستبداله باللحوم الحمراء باعتبارها الخيار الأنقى وفق منطق النظام، وهي قصة ترويها إحدى السيدات في السعودية عن زوج شقيقتها، وتكشف كيف يمكن لمحتوى قصير أن يعيد تشكيل الذائقة والعادات الغذائية للأسر في مدة وجيزة، دون أن يستند إلى أي دليل علمي.
ماذا يقول الخبراء؟
من جهتها، تنتقد أخصائية التغذية رند بدوي هذا التصنيف الثنائي للأطعمة، وتتساءل بحيرة: “هل من المعقول إلغاء مجموعات غذائية كاملة كالدواجن والبيض ومنتجات الألبان لأن أحدهم صنفها خارج الطيبات؟”. وتؤكد أن هذه الطروحات لا ترقى إلى مستوى الدليل العلمي، وتعتمد على تجارب شخصية قد تكون مضللة، مشددةً على أن التوازن والتنوع يظلان أساس أي نظام غذائي صحي، ومحذرة من تحويل المقاطع القصيرة على المنصات إلى مرجع يعتمد عليه الملايين في قراراتهم الصحية.
سؤال يبقى بلا إجابة
في النهاية، تظل الظاهرة برمتها تطرح سؤالاً مركزياً: من يتحمل المسؤولية حين يصبح منشور واحد أو مقطع فيديو قصير قادراً على قلب موازين الصحة والحياة لدى إنسان؟ الإجابة ربما تحتاج إلى وعي مجتمعي أعمق، وتشريعات رقابية أكثر صرامة، وتعاون بين منصات التواصل والجهات الصحية، لتكون المنصات منبراً للتوعية لا منصة لنشر الخرافات.
اندبندت عربية



