نسبة النساء 6.41%.. مؤشر تمثيل النساء السوريات في مواقع اتخاذ القرار

مع انقضاء الربع الأول من عام 2026، تظل الصورة الإدارية في سوريا تعكس غياباً لافتاً للمرأة عن واجهة القرار، إذ لا تزيد حصتها في المناصب القيادية على 6.41% من إجمالي المواقع المرصودة، بينما تنهار النسبة إلى 1.33% عند النظر إلى المنصب الأعلى في أي مؤسسة (وزيرة، رئيسة، مديرة)، في مشهد يكشف عمق التحديات التي تواجه المساواة الجندرية في المرحلة الانتقالية.
في هذا التقرير، نُلقي الضوء على واقع التمثيل النسائي في سوريا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، ونُحلّل هذه المعطيات على المستويين الكلي والقطاعي، مقارنةً بمعدل “الكتلة الحرجة” الذي حددته الأمم المتحدة عند 30% كحد أدنى للتمثيل الفعّال، وصولاً إلى المساواة الكاملة. نستعرض أبرز الملامح والنتائج، ونجيب بدايةً عن السؤال المحوري:
ما هو مؤشر تمثيل النساء في مواقع اتخاذ القرار؟
هو مبادرة دورية أطلقها موقع “سناك سوري” بالتعاون مع مبادرة “إعلام من أجل النساء”، تهدف إلى قياس مستوى مشاركة المرأة في مراكز صنع القرار على مدار أربع مراحل رصدية خلال العام. لا يقتصر المؤشر على الإحصاء العددي فحسب، بل يتتبع أيضاً أنماط الإشراك الوظيفي، والقطاعات التي تُمنح لها النساء، ومدى التوازن الجندري في الانتقال نحو تمثيل عادل وحقيقي على المستويين المركزي والمحلي.
آلية الرصد وجمع البيانات
يعمل المؤشر على تتبع أربعة مستويات رئيسية من مواقع اتخاذ القرار في سوريا، وهي:
المستوى الأول: رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء (الوزراء ومعاونوهم).
المستوى الثاني: رؤساء الهيئات الوطنية، والمديريات المركزية، ورؤساء الجامعات الحكومية.
المستوى الثالث: النقابات، والمجالس المركزية، ورؤساء المراكز الفرعية.
المستوى الرابع: مديريات الإدارة المحلية (المكاتب التنفيذية، رؤساء مجالس المدن، والمدراء الرئيسيين).
يعتمد المؤشر في بناء قاعدة بياناته على المصادر المفتوحة، والقرارات والمراسيم الرسمية، بالإضافة إلى متابعة التعيينات الإدارية بشكل لحظي لضمان رصد أي تغيرات دورية، سواء طرأت تحسينات على نسب التمثيل أو حدث تراجع فيها.
الهدف الاستراتيجي للمؤشر
لا يقتصر الهدف على تحسين الأرقام فقط، بل يسعى المؤشر إلى إحداث نقلة نوعية في إشراك النساء، بحيث يتحقق التمثيل العددي والنوعي معاً، بعيداً عن الحضور الشكلي أو الهامشي، وعلى أن يشمل ذلك المناصب العليا والمحلية على حد سواء، دون إقصاء أو تهميش للمرأة في أعلى هرم السلطة.
قراءة في تقرير الربع الأول من عام 2026
غطى التقرير الحالي 437 موقعاً قيادياً في سوريا، موزعة على المستويات الأربعة المذكورة، وذلك خلال الفترة من 1 يناير إلى 31 مارس 2026. تم اختيار هذه المناصب بناءً على أهمية المؤسسات وشموليتها وتنوعها؛ إذ شمل الرصد جميع إدارات الهيئات والمديريات المستحدثة في المرحلة الانتقالية، إلى جانب المؤسسات المركزية القائمة سابقاً. أما محلياً، فقد رُصدت أهم خمس مديريات في كل محافظة كمرحلة أولية، على أن تتسع دائرة التتبع في الدورات المقبلة. ويُعتبر هذا التقرير خط الأساس الذي سينطلق منه المؤشر لرصد التغيرات الدورية لاحقاً.
6.41% فقط من مواقع القرار بيد النساء
تُظهر المعطيات الميدانية أن نسبة تمثيل النساء في مفاصل القرار خلال المرحلة الانتقالية ما زالت متدنية جداً، حيث لم تتجاوز 6.41% من إجمالي المناصب المرصودة. وتكشف الأرقام عن فجوة شاسعة بين الجنسين، إذ يقابل كل امرأة في موقع قيادي نحو 15 رجلاً.
لكن الإشكالية لا تقتصر على العدد فقط، بل تمتد إلى طبيعة الملفات الموكلة للنساء. فبالتدقيق في أعلى المناصب التي تشغلها القيادات النسائية، نجدها تتركز في قطاعات مرتبطة بالأدوار الاجتماعية والتقليدية، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والهيئة السورية لشؤون الأسرة. في المقابل، يبقى باب المؤسسات السيادية والاقتصادية والخدمية الكبرى (كوزارة المالية، والاقتصاد، والكهرباء، وغيرها) موصداً في وجه القيادات النسائية، مما يُشير إلى أن المشاركة النسائية، حتى حين تتوفر، تظل أسيرة التقسيم النمطي للأدوار.
كما تكاد النساء تغيب كلياً عن قمة الإدارة المحلية؛ فلم يُسجل أي اسم لامرأة في منصب محافظ أو رئيس مجلس مدينة من مراكز المحافظات خلال الربع الأول من 2026.
التمثيل في الرئاسة ومجلس الوزراء
ضمن هذا المستوى، رصد المؤشر 87 منصباً في مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء (بما في ذلك الوزراء ومعاونيهم). لم تحصل النساء سوى على 4 مناصب فقط، أي بنسبة 4.60%، موزعة بين منصب وزاري واحد وثلاثة مناصب لمعاوني وزراء. ولم تظهر البيانات أي حضور نسائي في المناصب العليا بمؤسسة الرئاسة، مما يجعل تمثيلهن في قمة السلطة التنفيذية من الأدنى على الإطلاق مقارنة ببقية القطاعات.
يُذكر أن هذا المستوى يمثل القمة التي تُرسم منها السياسات العامة وتُختار منها القيادات الإدارية الدنيا، لذا فإن ضعف التمثيل هنا ينعكس حتماً على فرص النساء في المستويات الإدارية التالية، ويحد من قدرتهن على التأثير في صياغة الأولويات الوطنية.
الهيئات والمؤسسات الوطنية المركزية
في المستوى الثاني (الهيئات والمديريات المركزية)، سواء المستحدثة أو القائمة سابقاً، تنخفض النسبة إلى 2.94%، وهي الأدنى بين جميع القطاعات المشمولة بالرصد. ومن اللافت أن جميع الهيئات الوطنية التي أُنشئت خلال المرحلة الانتقالية أُسندت قيادتها إلى رجال، فيما اقتصر الحضور النسائي على موقع وحيد ضمن الهيئات غير المستحدثة، وتحديداً في هيئة معنية بشؤون الأسرة والمجتمع.
وتكتسي هذه النتيجة خطورة خاصة، لأن هذه الهيئات والمديريات تمثل العمود الفقري للإدارة المركزية بعد مجلس الوزراء، ولها فروع في المحافظات، وتتمتع باستقلالية وصلاحيات واسعة تجعلها أقرب إلى الوزارات في تأثيرها.
النقابات: أعلى نسبة تمثيل.. لكن القيادة للرجال
تحتل النقابات المرتبة الأولى من حيث نسبة التواجد النسائي، حيث بلغت 9.20%، وهي الأعلى بين جميع القطاعات. لكن من المهم التنبيه إلى أن هذا الحضور لم يأتِ عبر صناديق الاقتراع، بل في إطار تعيينات تقرها السلطة التنفيذية وتلتزم بها النقابات حالياً.
ورغم التنوع الكبير في عضويات النقابات (الأطباء، المحامين، المهندسين، الفنانين، العمال، الفلاحين) ووجود توازن نسبي بين الجنسين في الصفوف القاعدية، فإن هذا التوازن لا ينعكس على القيادة. فجميع رؤساء النقابات المركزية وفروعها الرئيسية في المحافظات هم من الرجال، ويقتصر حضور النساء على عضوية المكاتب التنفيذية والمجالس النقابية، دون الوصول إلى الكرسي الأرفع.
المديريات والإدارة المحلية
على صعيد المحافظات، شمل الرصد المحافظين، والمكاتب التنفيذية لمجالس المحافظات، ورؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات، ومديري المديريات الحيوية (التربية، الصحة، والشؤون الاجتماعية والعمل). وعلى الرغم من أن قطاعي التربية والشؤون الاجتماعية يشهدان حضوراً واسعاً للكوادر النسائية في الصفوف الأولى، فإن نسبة التمثيل في المواقع القيادية المحلية لم تتجاوز 5.23%.
وتظهر البيانات أن النساء يشاركن في المكاتب التنفيذية لأربع محافظات فقط من أصل إحدى عشرة محافظة تم تشكيل مكاتبها، في حين تغيب أسماؤهن تماماً عن مكاتب سبع محافظات أخرى (ولم تستكمل ثلاث محافظات تشكيل مكاتبها بعد خلال فترة الرصد). ويتركز حضورهن مجدداً في مديريات الخدمات الاجتماعية، بينما يغبن عن القطاعات الأمنية والخدمية والسيادية الأكثر نفوذاً.
في حصيلة ما سبق
يخلص المؤشر، استناداً إلى معطيات الربع الأول من 2026، إلى أن مشكلة تمثيل النساء في سوريا ليست كمية فقط، بل نوعية وهيكلية أيضاً. فمن أصل 437 منصباً، هناك 28 امرأة فقط، لكن اثنتين منهن فقط وصلتا إلى أعلى منصب وظيفي في مؤسساتها على المستوى الوطني، بينما تغيب النساء كلياً عن منصب المحافظ أو رئيس مجلس مدينة مركز المحافظة محلياً. كما تغيب النساء عن رئاسة النقابات والجامعات وعن الغالبية العظمى من المناصب العليا في مؤسسة الرئاسة والهيئات المركزية.
حتى في القطاعات التي ترتفع فيها النسب، كالنقابات، يظل الوصول إلى المنصب الأعلى مستعصياً، ويتكرر النمط نفسه في الإدارة المحلية. وما زالت المناصب الموكولة للنساء تدور في فلك القطاعات الاجتماعية التقليدية، بعيداً عن رسم السياسات الاقتصادية والمالية والأمنية.
باختصار، تكشف الأرقام أن الفجوة الجندرية في مراكز القرار لا تزال واسعة جداً (15 رجلاً مقابل كل امرأة)، وأن المشاركة النسائية، حيث وجدت، جاءت نمطية وتكميلية، بعيدة كل البعد عن مراكز التأثير الفعلي ورسم ملامح الدولة في مرحلة الانتقال.
سناك سوري



