من طفلٍ مدلل في الشعلان إلى متهمٍ بجرائم ضد الإنسانية في لندن

قد يبدو الأمر صعب التصديق… ذلك الطفل الهادئ ذو الملامح البريئة، الذي ظهر معي في صورة قديمة في حي السبكي بدمشق، يتحدث بعفوية عن مدرسته وأخيه الصغير، هو نفسه الذي أصبح لاحقًا عقيدًا في المخابرات الجوية… ويقف اليوم أمام القضاء في لندن، متهماً بقضايا قتل وجرائم ضد الإنسانية تعود إلى سنوات الثورة السورية.
تعود بدايتي معه إلى أوائل السبعينيات، حين كنت في الصف الخامس.
بعد انتهاء الدوام المدرسي، كنت أعمل في مكتب تكسي قريب من منزل عائلتي في حي الشعلان.
كانت مهمتي بسيطة: استقبال الاتصالات، تدوين طلبات الزبائن، وتنسيق إرسال السيارات.
في تلك الفترة، كانت مكاتب التكاسي جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية في دمشق.
من بين الزبائن الدائمين كان هناك رجل اسمه ميشيل سالم، عُرف بأخلاقه الطيبة وتعاملاته الهادئة، وكان يسكن بالقرب من حديقة السبكي.
وهو شقيق الفنان جوني سالم، الذي عُرف ضمن ثنائي غنائي كان يحيي حفلات في المطاعم والنوادي.
في أحد الأيام، تلقيت اتصالًا مختلفًا… كان صوته مكسورًا ومثقلًا بالحزن.
طلب عدة سيارات تكسي، إذ كانت زوجته قد توفيت، تاركة خلفها طفلين صغيرين، أكبرهما سالم، الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره.
منذ ذلك اليوم، تعرّفت إلى الطفلين عن قرب.
كانا هادئين وطيبين، يلفتان الانتباه ببراءتهما.
كنت أشعر نحوهما بتعاطف كبير، خاصة بعد فقدان والدتهما.
كان سالم يقضي وقتًا طويلًا بالقرب من المكتب، يحدثني عن مدرسته، وعن أخيه، وعن أحلامه… وكان يكرر دائمًا حلمًا واحدًا: أن يصبح ضابطًا عندما يكبر.
كنت أحاول ثنيه عن الفكرة، ليس رفضًا للمؤسسة العسكرية بحد ذاتها، بل لأنني كنت قد جربت قسوة الحياة العسكرية بنفسي.
فقد التحقت بالكلية الحربية، وواجهت خلالها عقوبات قاسية نتيجة محاولاتي المتكررة للهرب، وصلت إلى مئات الأيام من العقوبة، وإن لم أقضِ منها فعليًا سوى جزء محدود.
مرت السنوات، وكبر سالم، وفي أحد الأيام رأيته وقد حلق شعره.
أخبرني حينها أنه التحق بالكلية الفنية الجوية، وكان مصممًا على المضي في طريقه.
الأغرب أنه تحدث بثقة عن مستقبله، مشيرًا إلى أنه سيلتحق بالمخابرات الجوية بعد تخرجه، مستندًا إلى علاقات كان يعتقد أنها ستساعده في ذلك.
بعد سنوات، التقيته مجددًا. كنت قد خرجت من الجيش، بينما كان هو قد أصبح ضابطًا بالفعل.
أخبرني حينها، وبشيء من الفخر، أنه انضم إلى المخابرات الجوية.
في تلك اللحظة، أدركت أن معايير الانضمام إلى بعض المؤسسات لم تكن دائمًا قائمة على الكفاءة وحدها.
ثم انقطعت أخباره لسنوات طويلة، حتى جمعنا لقاء مفاجئ عام 2009 تقريبًا، داخل أحد الفروع الأمنية في دمشق.
كان قد أصبح مقدمًا، واستقبلني بحرارة، وساعدني في إنهاء معاملة رسمية كنت أحتاجها.
ومرت السنوات مرة أخرى… حتى جاءني خبر صادم: محكمة في لندن بدأت محاكمته بتهم خطيرة، تشمل القتل والتعذيب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ووفق الادعاء، فقد كان مسؤولًا عن مجموعة أمنية شاركت في قمع الاحتجاجات، وتحديدًا في منطقة جوبر بدمشق.
عندما سمعت الخبر، شعرت بصدمة كبيرة… وحزن أيضًا.
كيف يمكن لطفل عرفته يومًا بكل تلك البراءة أن يصل إلى هذا المصير؟
لكن، ورغم كل الذكريات الشخصية، يبقى المبدأ الأهم واضحًا: العدالة يجب أن تأخذ مجراها.
فإذا ثبتت هذه التهم، فلا بد من محاسبة المسؤول، لأن حقوق الضحايا لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن أن تضيع مع مرور الوقت.
رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، ولتبقَ العدالة هي الميزان الذي يُحتكم إليه مهما تعقدت القصص وتشابكت الذكريات.
زمان الوصل



