تعزيز العلاقات ودعم إعادة الإعمار .. وزيرة ألمانية تزور سوريا

تأكيداً للتحول الجذري في الموقف الألماني بعد الحقبة السياسية الماضية وسقوط نظام الأسد، حطت وزيرة الدولة الألمانية سيراب غولر رحالها في العاصمة دمشق اليوم الاثنين. وتأتي هذه الزيارة الحساسة في توقيتها لتفتح الباب أمام نقاشات معمقة تجريها غولر على مدار أيام مع أطراف حكومية واقتصادية وأهلية، لرسم معالم الدور الألماني القادم في دعم الاستقرار والتنمية في سوريا
جولة في عمق سوريا: من دمشق إلى حلب واللاذقية
لا تقتصر زيارة الوزيرة على العاصمة وحدها، إذ تشمل، وفق ما أعلنت الخارجية الألمانية، مدناً متضررة بشدة مثل حلب، وطرطوس، واللاذقية، إلى جانب مناطق أخرى شهدت دماراً هائلاً خلال سنوات الحرب. هذه الجولة الميدانية تعكس رغبة برلين في الوقوف على حجم الدمار عن كثب، ورسم صورة واقعية لاحتياجات إعادة الإعمار.
رسالة قبل المغادرة: “سوريا الجديدة” فرصة لا تُعوّض
وقبل مغادرتها برلين، أدلت الوزيرة بتصريح لافت، قالت فيه: “هناك فرصة حقيقية لظهور سوريا جديدة، وألمانيا ترغب في تعميق علاقاتها معها.” هذا التصريح ليس من قبيل الإنشاء الدبلوماسي، بل يعكس نقلة نوعية في المقاربة الألمانية، التي كانت حتى وقت قريب تضع مسافة بينها وبين النظام السابق.
خلفية الزيارة: رديف لزيارة الشرع إلى ألمانيا
تأتي زيارة غولر استكمالاً للمباحثات الثنائية، وبالتزامن مع خطوات تصعيدية في العلاقات على أعلى المستويات. إذ سبقها في أواخر مارس/آذار الماضي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا، ولقاؤه مع المستشار الألماني فريدرتش ميرتس، مما فتح الباب أمام حوار سياسي واقتصادي لم تشهده العلاقات بين البلدين منذ سنوات طويلة.
لماذا ألمانيا مهتمة الآن؟ حسابات داخلية وخارجية
تمتلك ألمانيا أسباباً متعددة تدفعها نحو تعزيز وجودها في الملف السوري:
جالية سورية كبيرة: تستضيف ألمانيا نحو مليون سوري، يشكلون جسراً بشرياً وثقافياً بين البلدين، كما أن استقرار سوريا يعني احتمالات أكبر لعودة طوعية، ما يخفف الضغط على المدن الألمانية.
فرص اقتصادية واعدة: أشارت الوزيرة صراحة إلى أن إعادة إعمار الاقتصاد السوري تمثل فرصة حقيقية للاقتصاد الألماني، خاصة في قطاعات البنية التحتية، الطاقة، والصناعات الهندسية.
الاستقرار الجيوسياسي: ألمانيا، مثل بقية دول الاتحاد الأوروبي، ترى أن سوريا مستقرة وآمنة هي أفضل ضمان لوقف موجات النزوح وحماية حدود أوروبا الجنوبية الشرقية.
الشروط الألمانية: عملية انتقالية شاملة
مع ذلك، وضعت الوزيرة خطاً أحمر واضحاً، قالت فيه إن “العامل الحاسم لتحقيق الاستقرار ومستقبل سلمي هو عملية انتقالية شاملة”، تشمل جميع الفئات العرقية والدينية والإثنية، وتتيح مشاركة سياسية متساوية للجميع. هذا الموقف يتوافق مع رؤية الاتحاد الأوروبي، التي ترى أن إعادة الإعمار دون إصلاح سياسي ستكون مجرد ترقيع مؤقت.
التعهدات المالية.. 2.5 مليار يورو مقابل ماذا؟
سبق أن تعهد الاتحاد الأوروبي في مارس 2025 بتقديم نحو 2.5 مليار يورو لدعم سوريا على مدى عامين. غير أن هذا المبلغ، رغم أهميته، يظل هزيلاً أمام الاحتياجات الهائلة، حيث يقدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار. ومن هنا، تأتي أهمية إشراك القطاع الخاص الألماني في عملية التعافي، لتعويض العجز الحكومي.
كلمة الوزيرة الأخيرة: علاقة مميزة وموقف تاريخي
في لفتة تحمل الكثير من المعاني، قالت غولر إن ألمانيا وسوريا تربطهما “علاقة مميزة للغاية”، مؤكدة أن برلين وقفت خلال فترة ديكتاتورية الأسد والحرب إلى جانب الشعب السوري، وأدانت النظام حتى سقوطه، وقدمت دعماً طويل الأمد للمعارضة السورية والسكان المدنيين، إضافة إلى منحها حق اللجوء لأكثر من مليون شخص فروا من الاضطهاد.
عكس السير



