الاخبار

كيف يتأثر الاقتصاد السوري برفع ما تبقى من العقوبات الأميركية؟

يبدو الرهان في دمشق على أن رفع العقوبات هو المفتاح الوحيد لإنعاش الاقتصاد السوري أشبه بالهروب إلى الأمام ومحاولة لتجاهل تصدعات داخلية أحدثت شرخاً أعمق من الحصار الخارجي نفسه.

فالواقع الميداني يكشف عن اقتصاد نخرته سنوات الحرب الطويلة، وحوّلت منشآته إلى ركام، وأفرغت مؤسساته من الكفاءات القادرة على التخطيط والإدارة. وإن تبسيط المشكلة عبر تعليقها على مشجب القرارات الدولية يغفل حقيقة أن عجلة الإنتاج لن تدور في بيئة تشريعية غير مستقرة وقوانين لا تحمي المستثمر، مما يجعل التعافي رهيناً بإصلاحات جذرية بنيوية ومحاربة الفساد الداخلي قبل أي انفتاح سياسي مرتقب

رهان دمشق على الانفراج الأميركي
خلال الأيام الماضية، عاد ملف العقوبات إلى الواجهة بقوة. فخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأحد، أكد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على أهمية رفع ما تبقى من العقوبات، معتبراً أنها “خطوة أساسية لاستعادة النشاط الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية”.

الحكومة السورية تربط اليوم بين إنهاء العقوبات وثلاثة أهداف كبرى:

  • جذب الاستثمارات الخارجية.
  • تسريع عملية إعادة الإعمار.
  • إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.

ماذا حدث فعلاً على صعيد العقوبات؟
لا شك أن العقوبات الأميركية لعبت دوراً مؤثراً في تعقيد الأزمة الاقتصادية. فقد عزلت النظام المصرفي السوري عن جزء كبير من المنظومة المالية العالمية، وقيّدت حركة التحويلات والاستثمارات والتجارة الخارجية.

لكن في المقابل، التطورات الأخيرة تشير إلى أن واشنطن بدأت فعلاً بتفكيك أجزاء واسعة من منظومة العقوبات:

  • أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة سمحت بالتعامل مع قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري.
  • في حزيران (يونيو) 2025، وقع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً بإنهاء الجزء الأكبر من برنامج العقوبات الاقتصادية.
  • أبقى الأمر التنفيذي فقط على عقوبات مرتبطة ببشار الأسد ومقربين منه، بالإضافة إلى ملفات الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والاتجار بالمخدرات.

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أقدما على تخفيف كبير للعقوبات، بلغ ذروته في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بإلغاء “قانون قيصر” الذي فرض أقسى العقوبات على النظام السوري السابق.

الأرقام تكشف فجوة هائلة بين الآمال والنتائج
ورغم إعلان الحكومة السورية الحالية في أيار (مايو) 2025 عن جذب استثمارات بلغت 28 مليار دولار منذ سقوط نظام الأسد، فإن الاقتصاد ما يزال يعاني من فجوة شاسعة بين الآمال والواقع.

بحسب التقدير “التحفظي الأفضل” للبنك الدولي:

  • حاجة سوريا إلى إعادة الإعمار تبلغ حوالي 216 مليار دولار.
  • هذا الرقم يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في 2024.
  • التكلفة الإجمالية للدمار المادي تتراوح بين 140 ملياراً و345 مليار دولار.
  • تكلفة إعادة بناء البنية التحتية وحدها تبلغ 82 مليار دولار.
  • الأضرار في المباني السكنية تقدر بـ75 مليار دولار، وغير السكنية بـ59 مليار دولار.

بالمقارنة، فإن الـ 28 مليار دولار التي جذبتها سوريا لا تشكل سوى جزء ضئيل من هذه الاحتياجات الضخمة، مما يشير بوضوح إلى أن العقوبات لم تكن السبب الوحيد، ورفعها لا يعني بالضرورة تدفق المال تلقائياً.

هل تكفي إزالة العقوبات وحدها؟
رغم أن الحكومة السورية تروّج لفكرة أن رفع العقوبات سيقود مباشرة إلى انتعاش اقتصادي واسع، فإن تقارير البنك الدولي ترسم صورة أكثر تعقيداً، فوفق هذه التقارير:

  • الاقتصاد السوري لا يزال يعاني من تراجع حاد في ناتجه مقارنة بمستويات ما قبل 2011.
  • البلاد تواجه أزمة سيولة حادة، وتراجعاً في الإنتاج، وضعفاً في البنية التحتية.
  • معدلات الفقر والبطالة في ارتفاع مستمر.

البنك الدولي يؤكد أن “تخفيف العقوبات يمكن أن يخلق فرصاً للنمو، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق التعافي ما لم يترافق مع إصلاحات مؤسساتية واقتصادية عميقة”.

الباحث الاقتصادي يونس الكريم: الجدل حول العقوبات “حل سحري” غير واقعي
الباحث الاقتصادي يونس الكريم يرى أن الجدل المتصاعد حول رفع العقوبات يُقدَّم في كثير من الأحيان “كالحل السحري القادر على إنقاذ الاقتصاد السريع”، بينما الواقع أكثر تعقيداً.

ويشير الكريم إلى أن العقوبات المرتبطة بتمويل الإرهاب كانت من أكثر العقوبات تأثيراً على القطاعين المالي والمصرفي، لأن التصنيف الدولي السابق عزل سوريا عن جزء كبير من المنظومة المالية العالمية.

سويفت وحدها لا تكفي
لكن الكريم يحذر من أن إزالة هذه القيود لا تعني تلقائياً عودة الاقتصاد إلى النمو، فالمستثمرون والمصارف الدولية لا ينظرون فقط إلى النصوص القانونية، بل يراقبون:

  • مستوى الثقة بالمؤسسات القضائية والرقابية.
  • استقرار البيئة القانونية.
  • قدرة الدولة على حماية العقود والاستثمارات.

وبالتالي، فإن إعادة ربط المصارف السورية بشبكة “سويفت” لا تتوقف على قرار سياسي فقط، بل تحتاج إلى بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تمنح المستثمرين الضمانات التي يبحثون عنها.

هيمنة دوائر اقتصادية محدودة.. رسالة سلبية للمستثمرين
يذهب الكريم إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن المستثمر الأجنبي لا يبحث عن سوق تهيمن عليها شبكات النفوذ والمصالح الضيقة، بل عن سوق تنافسية مفتوحة.

من هنا، فإن استمرار هيمنة دوائر اقتصادية محددة على قطاعات استراتيجية يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين المحتملين، ويحد من قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات طويلة الأجل، حتى لو رُفعت العقوبات بالكامل.

المخاطر القانونية: قضية “لافارج” مثالاً
كما يشير الكريم إلى أن المخاطر القانونية ما تزال تمثل عاملاً حاسماً في قرارات الشركات العالمية. قضية شركة “لافارج” الفرنسية التي واجهت ملاحقات قانونية بعد سنوات من نشاطها في سوريا جعلت الشركات الدولية أكثر حذراً، خاصة مع غياب وضوح بشأن العدالة الانتقالية وآليات المحاسبة.

عامر شهدا: تحسين التصنيف الائتماني يحتاج إلى أكثر من قرارات سياسية
الباحث الاقتصادي عامر شهدا يؤكد أن الحراك السياسي لرفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أعاد تسليط الضوء على قضية محورية، لكنه يرى أن التعامل مع هذا الملف يتطلب واقعية أكبر.

تحسين التصنيف الائتماني للدولة وجذب الاستثمارات الأجنبية لن يتحقق بمجرد صدور قرارات سياسية، بل يحتاج إلى معالجة العقبات القانونية والمؤسساتية التي تراكمت على مدى عقود.

يشير شهدا إلى أن الأشهر الماضية شهدت تصريحات حكومية متفائلة، لكن النتائج العملية بقيت محدودة، مشدداً على أن “الثقة لا تُبنى عبر التصريحات السياسية، بل من خلال سياسات شفافة وقابلة للقياس، وتقديم بيانات اقتصادية دقيقة”.

جورج خزام: رفع العقوبات لم ينعكس على الإنتاج بل على المستوردات
الخبير الاقتصادي جورج خزام يذهب إلى أن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا لم ينعكس حتى الآن في صورة طفرة في الاستثمار الصناعي أو زيادة واضحة في الإنتاج.

بل ما حدث هو العكس إلى حد ما: اتساع مساحة المستوردات وتخفيف القيود أمام دخول السلع، من دون أن يترافق ذلك مع تدفق كبير لرؤوس الأموال المنتجة أو عودة واسعة للمصانع والورش إلى العمل.

ويضيف خزام أن الاقتصاد لا يتعافى بمجرد رفع العقوبات، بل يحتاج إلى:

  • بيئة قانونية ومصرفية مستقرة.
  • تمويل متاح.
  • بنية تحتية قادرة على تحويل الانفراج السياسي إلى نشاط إنتاجي حقيقي.

واصفاً السوق السورية بأنها “أقرب إلى سوق تصريف للسلع المستوردة منها إلى سوق منتجة”.

رفع العقوبات بداية وليس نهاية
ما تمر به سوريا اليوم هو امتحان حقيقي لقدرة النظام الجديد على تحويل الانفراج السياسي إلى تنمية اقتصادية ملموسة. العقوبات لم تكن السبب الوحيد للأزمة، ورفعها ليس نهاية المطاف، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.

الاقتصاد السوري يحتاج إلى:

  • إعادة بناء من الداخل، وليس انتظار حلول من الخارج.
  • إصلاح مؤسساتي شامل.
  • قضاء مستقل.
  • بيئة قانونية جاذبة للاستثمار.
  • حوكمة رشيدة تنهي عهود الاحتكار والنفوذ.

بدون هذه المقومات، سيبقى رفع العقوبات مجرد وعد لم يتحقق، وسيبقى السوريون ينتظرون طويلاً طفرة تعيد بناء ما دمرته الحرب وسياسات الإقصاء.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى