القضاء السوري يرفض الدعوى ضد وزير الطاقة بشأن أسعار الكهرباء

أصدرت محكمة البداية المدنية العاشرة في عدلية دمشق، اليوم الخميس 4 حزيران (يونيو)، قراراً برد الدعوى التي كان قد رفعها المحامي باسل سعيد مانع وعدد من المواطنين ضد وزير الطاقة السوري محمد البشير، بصفته الشخصية والوظيفية. وجاء الرد “شكلاً” لعدم اختصاص المحكمة ولائياً بالنظر في القضية.
ما كانت تطالب به الدعوى؟
تقدم المحامي باسل مانع بهذه الدعوى احتجاجاً على القرار رقم 687 الصادر في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، والذي قضى برفع أسعار الكهرباء بشكل كبير. وطالب فيها بـ:
- إبطال أو تعديل شروط عقد الإذعان (عقد الاشتراك مع شركة الكهرباء).
- وقف تنفيذ القرار المذكور.
وبرر المحامي في دعواه أن رفع الأسعار جاء بمستوى لا يطاق للمواطن العادي، خاصة في ظل ظروف معيشية قاسية يعيشها ملايين السوريين، بين نزوح داخلي، بطالة متفشية، واضطرار الكثيرين للسكن في بيوت مستأجرة بإيجارات مرتفعة جداً.
لماذا ردت المحكمة الدعوى؟
استندت المحكمة في قرارها إلى المادة “147” من قانون أصول المحاكمات السوري رقم “1” لعام 2016، والتي تنص على أن “عدم اختصاص المحكمة بسبب عدم ولايتها أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها تحكم به المحكمة من تلقاء ذاتها، ويجوز الدفع به في أي حالة كانت عليها الدعوى”. بمعنى أن المحكمة رأت أن هذه القضية لا تدخل ضمن نطاق اختصاصها الولائي، وبالتالي لا يحق لها البت في موضوعها.
تأجيلات متكررة بسبب التبليغات
قبل الوصول إلى هذا القرار، مرت الدعوى بمراحل متعددة. يقول المحامي مانع في حديثه لمنصة “عنب بلدي” إن المحكمة كانت قد أصدرت قراراً بتقصير المهل بين الجلسات إلى أسبوع واحد، ما يعني نظرياً سرعة الفصل في القضية. لكن عملياً، تم تأجيل النظر عدة مرات بسبب صعوبات في إجراءات التبليغ، حيث كانت توجه التبليغات إلى كل من:
- وزير الطاقة محمد البشير.
- مدير شركة كهرباء ريف دمشق.
- وفي مرحلة لاحقة، أضيف إلى القائمة مدير “الشركة السورية للكهرباء” (الكيان الجديد الناتج عن دمج مؤسستي التوليد والنقل والتوزيع).
موقف المحامي: احترام القرار وعدم الاقتناع بأسبابه
رغم أن القضاء حسم أمره برفض الدعوى شكلاً، إلا أن المحامي باسل مانع عبّر عن احترامه المطلق للقضاء السوري والتزامه بقراراته، حتى لو لم يقتنع شخصياً بالأسباب القانونية للرد. وأكد في تصريحاته على ضرورة احترام المؤسسات القضائية مهما بلغت الخلافات معها.
وأوضح مانع أنه قدم مذكرات قانونية مدعومة باجتهادات من محكمة النقض السورية، كانت تهدف إلى إثبات اختصاص القضاء المدني (وليس الإداري) بالنظر في هذه القضية تحديداً. كما نفى بشكل قاطع تعرضه لأي ضغوط لسحب الدعوى.
لماذا القضاء المدني وليس الإداري؟
هنا نقطة جوهرية أوضحها المحامي مانع سابقاً: قبل رفع الدعوى، كان قد استشار القضاء الإداري. وأجابه القضاء الإداري بأنه سيرد الدعوى شكلاً إن رُفعت أمامه، لأن قرار وزير الطاقة برفع أسعار الكهرباء يُعتبر “قراراً تنظيمياً” وليس “قراراً إدارياً” بالمعنى الضيق، وبالتالي فإن المحكمة المختصة دستورياً هي محكمة البداية المدنية.
وبناءً على هذا التفسير، اتجه مانع إلى المحكمة المدنية، لكن المحكمة المدنية بدورها اعتبرت نفسها غير مختصة ولائياً، لترد الدعوى وتبقي الباب موارباً أمام تساؤلات قانونية مهمة: أين يذهب المواطن للاحتجاج على قرارات رفع أسعار الخدمات الأساسية؟
ما هو مضمون قرار رفع أسعار الكهرباء؟
كانت وزارة الطاقة السورية قد أصدرت في تشرين الأول 2025 قراراً بتعديل أسعار الكهرباء وفق أربع شرائح، قالت إنها تراعي الفئات الاجتماعية المختلفة. وجاءت الأسعار على النحو التالي:
الشريحة سعر الكيلو واط (ليرة سورية) الفئة المستهدفة
الأولى 600 ليرة استهلاك حتى 300 كيلو واط لكل دورة شهرين (دعم حكومي 60%)
الثانية 1400 ليرة أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع والمشاريع الصغيرة
الثالثة 1700 ليرة الجهات المعفاة من التقنين (مؤسسات حكومية، شركات، مصانع)
الرابعة 1800 ليرة المعامل والمصانع والاستهلاك العالي جداً (مثل معامل الصهر)
وبررت الوزارة القرار بأنه يأتي ضمن مشروع إصلاح قطاع الكهرباء، بهدف تحقيق الاستدامة، وتحسين الخدمة، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمار.
لماذا رفعت الأسعار أساساً؟ خسارة مليار دولار سنوياً
كشفت مصادر حكومية سابقة لمنصة “عنب بلدي” أن استمرار أسعار الكهرباء المنخفضة جداً كان يكلّف الحكومة خسائر بنحو مليار دولار سنوياً. والسبب أن ساعات التغذية الكهربائية ارتفعت من ساعتين يومياً أيام النظام السابق إلى حوالي 8 ساعات يومياً بعد سقوط النظام، مما زاد الطلب على الكهرباء، وتكاليف استيراد الغاز والفيول اللازمين لتشغيل المحطات.
وبحسب هذه المصادر، فإن تكلفة إنتاج الكيلو واط الواحد تبلغ نحو 0.14 دولار (أي ما يعادل حوالي 1600 ليرة سورية)، بينما كان يُباع للمواطن بعشر ليرات فقط، وهو فرق هائل لا يمكن تحمله مالياً.
خطة الحكومة: عدادات ذكية وزيادة ساعات التغذية
الحكومة السورية، حسب المصادر نفسها، لا تنوي رفع الدعم كلياً عن الكهرباء، لكنها تخطط لإعادة هيكلته بطريقة أكثر توازناً. وتتضمن الخطة:
- رفع ساعات التغذية تدريجياً لتصل إلى 14 ساعة يومياً بحلول منتصف عام 2026.
- استبدال العدادات الحالية بعدادات ذكية مرتبطة بشبكة الإنترنت، على نفقة المستهلك، ويمكن تقسيط قيمتها (بين 60 و70 دولاراً للعداد الواحد) عبر فواتير الكهرباء.
وتعاني سوريا حالياً من عجز كبير في إنتاج الغاز (تنتج 6 ملايين متر مكعب، بينما تحتاج 30 مليوناً)، وتبلغ قدرة الإنتاج المحلي للكهرباء حوالي 2200 ميغاواط فقط. كما أن مشكلة توزيع التقنين تتفاوت بين المحافظات بسبب تدمير البنى التحتية في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السابق، مثل ريف دمشق، مقارنة بدمشق نفسها.
قضية رأي عام أم إجراء قانوني؟
يرى المحامي باسل مانع أن هذه القضية تجاوزت كونه نزاعاً فردياً حول فاتورة كهرباء. يقول إنها تحولت إلى “قضية رأي عام” تهم ملايين السوريين الذين يعيشون تحت ضغط فواتير مرتفعة وظروف معيشية صعبة. وهو مستمر في الدفاع عن هذا المطلب الشعبي، ويعتبر أن القضاء المدني ظلّ بعيداً عن أي ضغوط أو توجيهات، حتى لو لم يحكم لصالحه هذه المرة.
هل سيتم استئناف القرار أمام درجة أعلى؟ المحامي لم يعلن خطوته التالية بعد، لكنه شدد على أنه سيستمر في دعم أي متضرر يمتلك فاتورة كهرباء باسمه الشخصي، ومستعد للتوكل مجاناً عنه في أي إجراءات قادمة.
عنب بلدي



