الاخبار

رغم المهلة الأخيرة للاستبدال.. لماذا ما تزال “الليرة الجديدة” غائبة عن الشمال السوري؟

تتسع الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع الميداني لعملية الإصلاح النقدي في سوريا؛ ففي الوقت الذي يعلن فيه مصرف سوريا المركزي نجاح استبدال أكثر من 63% من الكتلة النقدية القديمة وتمديد مهلة التبديل حتى نهاية تموز/يوليو المقبل كـ “فرصة أخيرة”، تكشف المعطيات القادمة من مناطق واسعة في الشمال السوري عن واقع نقدي مغاير تماماً. هذا التباين الحاد يضع الرواية الحكومية للاستقرار المالي في مواجهة تحديات لوجستية وسياسية معقدة على الأرض

الشمال يعاني ندرة العملة الجديدة
بينما تتحدث السلطات عن نجاح العملية وتقدمها بوتيرة مرتفعة، يشكو سكان الرقة وإدلب وأجزاء من ريف حلب، وحتى بعض المحافظات الجنوبية، من ندرة العملة الجديدة واستمرار هيمنة الأوراق القديمة والليرة التركية والدولار على جزء مهم من التعاملات اليومية، وذلك وفق ما رصده موقع “الحل نت”.

فجوة عميقة بين القرار والتنفيذ
لا تبدو القضية مرتبطة بمجرد تأخر إداري في توزيع الأوراق النقدية الجديدة. بل تعكس تحدياً أعمق وأكثر جذرية، يتعلق بقدرة الدولة على إعادة توحيد المجال النقدي السوري بعد سنوات طويلة من الانقسام الاقتصادي والإداري.

منذ مطلع عام 2026، بدأت السلطات تنفيذ عملية استبدال شاملة للعملة القديمة ضمن خطة لإعادة هيكلة النظام النقدي واستعادة الثقة بالليرة السورية. لكن نجاح العملية في المراكز الحضرية الرئيسية لم ينعكس بالوتيرة نفسها على المناطق البعيدة عن المركز. ففي تلك المناطق، لا تزال البنية المصرفية محدودة، وقد تشكلت خلال سنوات الحرب أنماط اقتصادية مختلفة اعتمدت بدرجات متفاوتة على الدولار والليرة التركية.

الرقة: غياب نقاط الاستبدال يضاعف المعاناة
في مدينة الرقة، يعكس حديث عبدالعزيز المطلق الإحباط الشعبي المتزايد. يقول المطلق: “المشكلة لا تتعلق فقط بوجود العملة القديمة في المنازل والأسواق، بل بغياب نقطة استبدال محلية تتيح للناس إنجاز معاملاتهم من دون تكبد عناء السفر إلى محافظات أخرى”.

يضيف أن كثيرين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة لتبديل ما لديهم من أوراق نقدية، وهو ما يضاعف الكلفة ويزيد المشقة على الأسر ذات الدخل المحدود. يرى المطلق أن الحل يبدأ من فتح مركز استبدال داخل الرقة نفسها، لأن الخدمة المصرفية لا تصبح ذات جدوى كاملة ما لم تصل إلى المواطن في مكان إقامته.

أزمة وصول تتحول إلى أزمة ثقة
تكشف هذه الشكوى جانباً من المعضلة الحالية. فالمشكلة بالنسبة للكثير من السكان لا تتعلق بقرار الاستبدال نفسه، بل بإمكانية الوصول إليه. يتحول الحصول على العملة الجديدة إلى رحلة مكلفة بالنسبة للأسر محدودة الدخل، ما يدفع كثيرين إلى الاحتفاظ بما لديهم من أوراق قديمة والاستمرار في تداولها داخل الأسواق المحلية.

أما أبو محمد الراقي، فيذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الأزمة باتت تمس الثقة بالعملة الجديدة نفسها. يقول: “سكان الرقة ما زالوا يتعاملون بكثافة مع العملة القديمة، في وقت لم يلمسوا فيه بعد تداولاً واسعاً للنقد الجديد في حياتهم اليومية، الأمر الذي يجعلهم مترددين في قبول النسخة المستبدلة أو الاطمئنان إليها”.

يشير إلى أن استمرار التعامل بالأوراق القديمة، رغم الحديث الرسمي عن الانتقال إلى الشكل الجديد، خلق حالة ارتباك في السوق المحلية، خصوصاً لدى التجار الصغار وأصحاب المحال الذين يفضلون الاحتفاظ بما هو مألوف.

إدلب: فوضى ثلاث عملات في آن واحد
يزداد المشهد تعقيداً في إدلب ومناطق الشمال الغربي، حيث لا تزال الليرة التركية تلعب دوراً أساسياً في الحياة الاقتصادية اليومية. يصف بشار غنام الواقع بعبارة وجيزة: “الناس في إدلب ضاعوا بين السوري والتركي والدولار”.

ويضيف أحد الأهالي أن الناس لم يتلقوا بعد تعميماً حاسماً يضع حداً واضحاً لهذا التداخل النقدي. يأتي ذلك في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن اعتماد الليرة التركية في أجزاء واسعة من الشمال السوري لم يعد مجرد إجراء مؤقت، بل أصبح جزءاً من البنية الاقتصادية المحلية خلال السنوات الماضية. وهذا يجعل العودة الكاملة إلى التداول الحصري لليرة السورية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في القرارات الرسمية.

درعا: العملة الجديدة نادرة.. والقديمة تسيطر على الصرف
لا تقتصر الشكاوى على الشمال فقط. تختزل خلود الحاج في درعا جوهر المشكلة، حيث تؤكد أن العملة الجديدة ما تزال نادرة، وأن أي عملية صرف من الدولار إلى الليرة السورية تنتهي غالباً بعودة الأوراق القديمة إلى يد المتعاملين، لا الجديدة. تطالب خلود بتشديد أكبر في التوعية والرقابة، حتى لا يبقى الاستبدال مجرد قرار إداري لا ينعكس على أرض الواقع.

 63% لا تعكس الصورة الكاملة
تكشف هذه الشهادات الحية أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نسبة الـ63 بالمئة التي يتحدث عنها المصرف المركزي، بل في ما تبقى من العملية داخل المناطق التي لم تصلها الخدمة المصرفية بصورة كافية. فنجاح استبدال العملة لا يُقاس فقط بعدد الأوراق التي جرى سحبها من التداول، وإنما بقدرة الدولة على توحيد السوق النقدية وإنهاء حالة التعدد النقدي التي نشأت خلال سنوات الحرب.

وحتى ذلك الحين، سيبقى كثير من السوريين، خصوصاً في الشمال، عالقين بين الليرة القديمة والليرة الجديدة والليرة التركية والدولار، في مشهد يعكس استمرار الانقسام الاقتصادي رغم كل محاولات إعادة التوحيد.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى