ثلثا الأسر السورية تضمّ مرضى: العلاج المجاني مهدَّد بالخصخصة

تفجرت موجة عارمة من الانتقادات والاعتراضات الشعبية عقب التصريحات الأخيرة لرئيس هيئة الاستثمار السورية، والتي لمح فيها إلى إمكانية خصخصة المستشفيات العامة في البلاد. ورغم مسارعة الجهات الحكومية الرسمية لإصدار توضيحات حاسمة تؤكد التزام الدولة باستمرار تقديم خدمات العلاج المجاني للمواطنين، إلا أن هذه التطمينات الرسمية لم تنجح حتى الآن في تبديد مخاوف الشارع أو تهدئة القلق المتزايد حول مستقبل الرعاية الصحية المدعومة
تجربة سابقة تزيد المخاوف
لا تأتي مخاوف السوريين من فراغ. فالحكومة الانتقالية كانت قد نفذت خطوات اقتصادية مشابهة في قطاعات أخرى، شملت تسعير المشتقات النفطية وفق الأسعار العالمية، ورفع أسعار الخبز والكهرباء بنسب فاقت قدرة شريحة واسعة من السوريين على تحملها.
لماذا يخشى السوريون المساس بالعلاج المجاني؟
بغض النظر عن التراجع الكبير الذي أصاب خدمات المستشفيات العامة خلال السنوات الأخيرة – نتيجة نقص التجهيزات والمستلزمات الطبية، إضافة إلى هجرة الكوادر وتسربها – فإن ما تقدمه هذه المستشفيات يبقى مقبولاً بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين التي تعاني مستويات مختلفة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خاصة عند مقارنته بفواتير العلاج المرتفعة في المستشفيات الخاصة.
لفهم أسباب حساسية ملف العلاج المجاني، من الضروري التوقف عند ثلاث نقاط رئيسية: خريطة الأمراض التي يعانيها السوريون، وانتشارها الجغرافي، وفاتورة العلاج المرتفعة المرتبطة بها، وما يمكن أن تشكله هذه الفاتورة من إجمالي إنفاق الأسرة أو الفرد.
سوريا: مجتمع شبه مريض
حولت الحرب الطويلة سوريا إلى مجتمع شبه مريض. وهذا الاستنتاج ليس مجرد انطباع، بل يؤكده ارتفاع معدلات انتشار الأمراض بمختلف أنواعها، وارتفاع أعداد المرضى المراجعين للمستشفيات والمراكز الصحية العامة والخاصة.
فإلى جانب صعوبة الحصول على الخدمات الصحية أو الوصول إليها – وهي مؤشرات كانت قبل عام 2011 متقدمة جداً – جاءت المعارك العسكرية والعقوبات الاقتصادية والضغوط المعيشية والنفسية المتراكمة لتشكل عوامل أساسية في ظهور الأمراض وانتشارها.
تحديات الإحصاءات الرسمية
رغم وجود مؤشرات صحية في العديد من المسوح الإحصائية الرسمية التي أنجزت خلال سنوات الحرب، فإن ما خلصت إليه تلك الإحصائيات من بيانات ظل قاصراً عن تقديم صورة كاملة. ويعود ذلك لأسباب رئيسية:
عدم شمول هذه المسوح جميع مناطق البلاد، في ظل تعدد القوى المسيطرة فيها قبل كانون الأول 2024.
غياب أي مسح وطني شامل ومتخصص بالقطاع الصحي منذ عام 2010.
ومع هذا، يمكن الاستعانة ببعض البيانات المتوافرة لمحاولة تشكيل صورة تقريبية عن حجم التحولات التي أصابت الواقع الصحي للبلاد خلال سنوات الحرب.
بيانات 2018: الأمراض المزمنة حسب المحافظات
بحسب نتائج المسح الديمغرافي لعام 2018، الذي اقتصر على المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق آنذاك، بلغت نسبة المصابين بالأمراض المزمنة نحو 14.6% من السكان.
ترتيب المحافظات من حيث أعلى معدلات الإصابة:
الترتيب المحافظة نسبة الإصابة
الأول السويداء 21.9%
الثاني دمشق 20.2%
الثالث اللاذقية 17.8%
الرابع القنيطرة 16.5%
أدنى معدلات الإصابة سُجلت في حماة بنسبة 10%، تليها الحسكة بـ11.2%، ثم مدينة حلب بنحو 12%.
مسح 2025: صورة أكثر قتامة
غير أن هذه الأرقام تبدو متواضعة قياساً إلى ما كشفه “مسح الأمن الغذائي” لعام 2025، والذي خلص إلى نتائج أكثر قتامة عن الواقع الصحي للأسر السورية. فبحسب نتائج ذلك المسح، فإن أكثر من 63% من الأسر السورية تضم فرداً أو أكثر يعاني من مرض مزمن.
توزيع الأسر حسب عدد المصابين:
- أسر تضم مصاباً واحداً: 36.9%
- أسر تضم مصابين اثنين: 19.4%
- أسر تضم ثلاثة مصابين أو أكثر: 4.9%
- أسر خالية من الأمراض المزمنة: 37% فقط
خريطة الأمراض الأكثر شيوعاً
يقدم المسح نفسه تفاصيل مهمة حول ترتيب الأمراض المزمنة في سوريا:
الترتيب المرض نسبة الإصابة بين الحالات المسجلة
الأول ارتفاع ضغط الدم 25.7%
الثاني السكري 15.9%
الثالث أمراض القلب 12.4%
الرابع أمراض المفاصل 7.4%
كما رصد المسح حالات مركبة يعاني فيها المصابون من أكثر من مرض مزمن في الوقت نفسه، مثل الجمع بين ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والجهاز التنفسي وأمراض الكبد.
ترجمة الأرقام إلى أسر حقيقية
لا تقتصر أهمية هذه النسب على الترتيب فقط، بل تتجاوز ذلك إلى إظهار حجم العبء الصحي الهائل الذي تتحمله الأسر السورية. بالاستناد إلى تقديرات المنظمات الأممية لعدد السكان حتى نهاية العام الماضي، فإن هذه النتائج تعني:
- أكثر من 3.4 مليون أسرة سورية تضم مريضاً واحداً على الأقل يعاني مرضاً مزمناً.
- 1.4 مليون أسرة تضم مصاباً بارتفاع ضغط الدم.
- 866 ألف أسرة تضم مصاباً بالسكري.
- 675 ألف أسرة تضم مصاباً بأمراض القلب.
- 400 ألف أسرة تضم مصاباً بأمراض المفاصل.
العلاقة المقلقة بين المرض والفقر
لكن الدلالة الأبرز التي يكشفها المسح تتعلق بالعلاقة الوثيقة بين المرض والفقر. فالأسر التي تضم فرداً مصاباً بمرض مزمن تعاني في معظمها أوضاعاً غذائية هشة:
- 52.5% منها تقع ضمن فئة الهشاشة الغذائية.
- نحو 30% تعاني انعداماً متوسطاً أو شديداً في أمنها الغذائي.
- فقط 17% من هذه الأسر تصنف آمنة غذائياً.
وتزداد هذه المؤشرات سوءاً كلما ارتفع عدد المصابين داخل الأسرة الواحدة، في ما يعكس تداخلاً متزايداً بين أعباء المرض وتكاليفه من جهة، وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية من جهة أخرى.
حجم الخدمات الصحية التي تقدمها المستشفيات
المؤشر الثاني على حجم الحاجة إلى الرعاية الصحية يتعلق بأعداد المرضى والمراجعين للمستشفيات والمراكز الصحية الحكومية. تشير آخر البيانات المتاحة (الربع الأول من 2024) إلى أن مستشفيات وزارتي الصحة والتعليم العالي قدمت خلال ثلاثة أشهر فقط:
- مستشفيات وزارة الصحة:
- 86 ألف جلسة غسيل كلى
- 67 ألف جلسة علاج كيميائي
- 6.5 مليون خدمة طبية
- 724 ألف مراجع لأقسام الإسعاف
- مستشفيات وزارة التعليم العالي:
- 22 ألف صورة طبقية ومحوري
- 2.2 مليون تحليل مخبري
- 1400 عملية قسطرة تشخيصية وعلاجية
- 65 عملية زرع كلية
ماذا يعني إلغاء العلاج المجاني؟
في ضوء هذه المؤشرات والبيانات الإحصائية، فإن المجتمع السوري سيكون في مواجهة كارثة اقتصادية ومعيشية وصحية غير مسبوقة، إذا ما تقرر فعلاً إلغاء خدمة العلاج المجاني، سواء عبر خصخصة المستشفيات العامة أو فرض أجور على خدماتها العلاجية.
فالأسر التي تعاني أماً غذائياً هشاً أو معدوماً لن يكون في استطاعتها توفير العلاج لمرضاها، أو ستضطر إلى الدخول في مرحلة الجوع مقابل توفير بعض تكاليف ذلك العلاج.
يأتي هذا بينما هناك حالات مؤكدة لسوريين ماتوا بسبب عدم قدرتهم على الحصول على العلاج المناسب – كما في الإصابة بالسرطان – أو تفاقمت أوضاعهم الصحية بشكل مأساوي. ورغم أن الإنفاق على الصحة وصل في عام 2023 إلى نحو 6% فقط من إجمالي الإنفاق العام، فكيف سيكون الوضع إذا تم تصفير هذا الرقم أو خفضه بشكل كبير؟
خيارات بديلة: إعادة الهيكلة لا الخصخصة
تستند دعوات الخصخصة إلى الملاحظات المسجلة على الخدمات المقدمة في المستشفيات العامة، وما يشوبها من تدنٍ في الجودة وانتشار للفساد والمحسوبيات. إلا أن ذلك لا يبرر، وفقاً لرأي بعض الاقتصاديين، الذهاب نحو الخصخصة.
فهناك خيارات أخرى أكثر إنسانية وفعالية، من بينها:
- إعادة هيكلة المؤسسات الصحية بشكل كامل من حيث التشريعات والأنظمة وآليات العمل والقبول.
- تحديث الخدمات ومراقبة جودتها بالاعتماد على النظم الإدارية والتقنية المعمول بها في جميع دول العالم.
ويتساءل المنتقدون: هل الهدف الحقيقي هو تحسين الخدمات الصحية، أم تحويل المستشفيات الحكومية إلى مشاريع تجارية واستثمارية بحتة؟
الأخبار



