ترسانة سوريا الكيماوية بين التهويل والحقيقة العلمية

رغم غياب أي دليل قاطع لدى المجتمع الدولي – سياسياً أو علمياً – يثبت أن النظام السوري الجديد ينوي امتلاك أو تصنيع أسلحة غير تقليدية، إلا أن ذكرى الهجمات الكيماوية التي شنها النظام السابق على المدنيين لا تزال عالقة في ذاكرة العالم العربي والغربي. ولهذا السبب، يستمر الجدل على المواقع الإخبارية والعلمية حول ما إذا كانت سوريا الجديدة قادرة على إعادة إنتاج ترسانة بيولوجية، ويتوزع المشاركون في النقاش بين من يرى أن الخطر حقيقي، ومن يدعو إلى عدم التهويل.
سؤال يقلق واشنطن والعلماء: هل تمتلك سوريا الجديدة أسلحة كيماوية؟
هناك سؤال لا تستطيع الأوساط العلمية الأميركية تجاهله: هل تمتلك سوريا ما بعد الأسد أسلحة كيماوية؟ فقد غطى كبار علماء الذرة الأميركيين خطر إعادة استخدام هذه الأسلحة، معيدين فتح جراح الذاكرة الغربية المرتبطة بهجمات حلب والغوطة عام 2013.
ويقول هؤلاء العلماء إن “انهيار نظام الأسد الوحشي يفتح فصلاً جديداً في تاريخ البلاد المحاصرة. ولطي صفحة ماضي الفظائع، ينبغي على قادة سوريا الحاليين التخلي عن أي أسلحة كيماوية متبقية، وعلى المجتمع الدولي إلزام أي حكومة سورية جديدة بتسليم هذه الأسلحة، والسماح للمفتشين بالتحقق من تدميرها”.
ما الذي يثير هذه المخاوف؟ الفوضى ومخاوف وقوع الترسانة بأيدٍ مجهولة
الباعث الحقيقي وراء كل هذه التساؤلات هو حالة الفوضى والاضطرابات التي تعيشها سوريا الجديدة، حيث وقعت “أحداث دموية وفظائع” خلال الحرب الأهلية الأخيرة، ما أعاد إحياء مخاوف الغرب من وقوع الترسانة الكيماوية السابقة في أيادٍ غير معروفة.
بعض هذه الآراء، التي نُشر بعضها مؤخراً في نشرة علماء الذرة الأميركية على يد طلاب دراسات عليا، واجهت اتهامات بـ”التهويل” بشأن خطر الأسلحة البيولوجية في سوريا. ففي عام 2024، نشرت النشرة مقالاً بقلم “دونيور موتالوف”، طالب دراسات عليا في كلية فليتشر بجامعة تافتس الأميركية، تحت عنوان: “رسالة إلى الثوار السوريين: تخلوا عن أسلحة الأسد الكيماوية وحاكموا من استخدمها”.

في رسالته الطويلة، استعرض موتالوف – المتخصص في المنظمات الدولية والدراسات القانونية الدولية – خطر إعادة استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا الجديدة بأسلوب لم يخلُ من التهويل، وفق آراء متخصصين آخرين. يُذكر أن لموتالوف اهتمامات أخرى تدعم وجهة نظره، منها ضبط التسلح ومنع الانتشار النووي، وقد تدرب سابقاً في جمعية ضبط التسلح حيث عمل على ملفات منع الانتشار والسياسة النووية.
أصوات معارضة: الخطر غير حقيقي.. والأسلحة البيولوجية تهديد أشد فتكاً
في المقابل، ترى وسائل إعلام عالمية كبرى أن هذا الخطر غير حقيقي. ففي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2013، تحدى وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، رئيس النظام السابق بشار الأسد بتسليم الأسلحة الكيماوية. وفي ذلك الوقت، جادلت مقالات بصحيفتي “واشنطن بوست” و”ناشيونال إنترست” بأن التركيز على الأسلحة الكيماوية يصرف انتباه المجتمع الدولي عن تهديد أشد فتكاً: الأسلحة البيولوجية السورية.
وحذرت مقالات “واشنطن بوست” تحديداً من أن نظام الأسد قد يستخدم أسلحته البيولوجية ضد شعبه أو رداً على القوات الأجنبية. وأكدت هذه المقالات أن سوريا حافظت على برنامج “خامد” منذ آخر مرة شاركت فيه في تطوير أسلحة بيولوجية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لكنها قادرة بسهولة على إعادة تنشيط هذا البرنامج لإنتاج مخزون من الأسلحة غير التقليدية في مهلة قصيرة، واستخدامه للرد على أعدائها.
تهديد حقيقي؟ صناعات دوائية وزراعية وسلالة جدري قديمة
آنذاك، ذهب الجدل إلى أن هذا التهديد “حقيقي”، لأن سوريا يمكن أن تستفيد من صناعاتها الدوائية والزراعية لدعم إنتاج الأسلحة البيولوجية. وحذرت مقالات عدة من احتمال احتفاظ سوريا بسلالة من الجدري تفشت عام 1972، والتي يمكن استخدامها لتطوير سلاح بيولوجي مدمر.
منظمة حظر الأسلحة الكيماوية: إعلان سوريا غير دقيق وحقوقها معلقة
في عام 2021، علقت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية حقوق سوريا وامتيازاتها، بما في ذلك حق التصويت في المنظمة. وفي اجتماعها السنوي لعام 2023، قررت الدول الأطراف في الاتفاقية، في ضوء استمرار انتهاكات سوريا، منع بيع أو نقل المواد الكيماوية ذات الاستخدام المزدوج إليها.
بعد سقوط الأسد مباشرة، في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 2024، جددت المنظمة تأكيدها أن “إعلان سوريا الجديدة عن برنامجها للأسلحة الكيماوية لا يمكن اعتباره دقيقاً وكاملاً”، وتعهدت بالاستعداد “للتواصل بشكل أكبر مع السلطات السورية المعنية والشركاء الدوليين”.
ضمانات الثوار: لا نريد الأسلحة الكيماوية… لكن العالم يحكم بالأفعال
في مقالته الطويلة التي نشرت قبل رفع “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب، يقول موتالوف إن “هيئة تحرير الشام، التي صنفها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جماعة إرهابية، تقود المتمردين الذين أطاحوا بالأسد. في بيان نشر خلال الهجوم الخاطف على دمشق، أكد المتمردون عدم اهتمامهم بالأسلحة الكيماوية لنظام الأسد، وأعربوا عن استعدادهم للتنسيق مع الجهات المعنية لمراقبة الأسلحة والمواقع الحساسة، وقدموا ضمانات بعدم استخدام أي سلاح محظور بموجب القانون الدولي. ولكن في الأيام المقبلة، على العالم أن يحكم على المتمردين بالأفعال لا بالأقوال”.
اندبندنت عربية



