وليد جنبلاط يكشف في مذكراته تبدلات العلاقة مع آل الأسد

صدرت مذكرات الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط في كتاب بعنوان “قدر من المشرق” (بالفرنسية: Un destin pour le Levant)، عن دار “ستوك” للنشر، ممتدة على 340 صفحة. لكنها، كما يوضح التحليل التالي، ليست مذكرات بالمعنى التقليدي.
ماذا يحتوي الكتاب؟
لا يكتفي جنبلاط، الذي لعب دوراً سياسياً محورياً لنحو خمسين عاماً، بسرد سيرته الذاتية أو تاريخ عائلته العريقة في منطقة الشوف، والتي تعود إلى مقتل جده بشير جنبلاط على يد العثمانيين. كما لا يقتصر على استعراض مأساة اغتيال والده، الزعيم كمال جنبلاط، على يد النظام السوري السابق في 16 مارس 1977، والتي نقلت إليه الزعامة السياسية للطائفة الدرزية ورئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي (التي نقلها لاحقاً لابنه تيمور).
الكتاب هو، في جوهره، رواية لسيرة لبنان الحديث والمعاصر، وفرصة لجنبلاط لعرض وتفسير مواقفه المتقلبة، ورؤاه للماضي والحاضر، وتقديم نصائحه السياسية لبلد عانى حروباً أهلية وإقليمية لعقود.
علاقة آل جنبلاط بآل الأسد: الحبكة الرئيسية
تشكل قصة آل الأسد (حافظ وبشار) مع آل جنبلاط (كمال ووليد) الحبكة الرئيسية للكتاب، وتمتد لعشرات الصفحات. يبدأ جنبلاط بسرد تفاصيل الخلاف بين والده كمال وحافظ الأسد، والتي تفاقمت بسبب:
التدخل العسكري السوري في لبنان: قرر الأسد الأب التدخل عسكرياً في لبنان بموافقة أمريكية وعربية، وبناءً على طلب القادة المسيحيين.
فرض الوصاية: سعى الأسد لفرض “وصاية دكتاتورية” على لبنان وتكميم الحريات، وهو ما رفضه كمال جنبلاط بشدة.
دعم اليسار: رفض الأسد تزويد الميليشيات اليسارية بالسلاح الذي طالب به جنبلاط الأب.
خلاف أقلويين: يصف جنبلاط الخلاف بأنه صراع بين أقلية علوية (الأسد) وأقلية درزية (آل جنبلاط).
ويؤكد جنبلاط أن والده تجرأ في آخر لقاء بينهما قبل اغتياله بعام، على اتهام الأسد باستباحة لبنان بأساليب “قمعية”.
اغتيال كمال جنبلاط: تفاصيل وتداعيات
يخصص جنبلاط فصلاً كاملاً لاغتيال والده، متّهماً رفعت الأسد (شقيق حافظ) والمخابرات السورية بالمسؤولية، واللواء إبراهيم الحويجي كمنفذ مباشر (ألقت القوات الأمنية السورية الجديدة القبض عليه لاحقاً). ويروي كيف أن المخابرات السورية اختارت قرية مسيحية لإتمام الاغتيال، ثم بثّت إشاعات أن المسيحيين هم الفاعلون، مما أدى إلى مقتل 300 منهم وتهجير عشرات الآلاف.
“غريزة البقاء”: الطريق إلى دمشق
رغم اغتيال والده، قادت “غريزة البقاء” وليد جنبلاط إلى سلوك طريق دمشق بعد أشهر قليلة، لإعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، الذي كان “الداعم الوحيد” للوجود الدرزي. وكتب: “لم يكن لدينا خيار آخر”. تكرر السيناريو عام 2010 بعد قطيعة بسبب اغتيال رفيق الحريري، فعاد جنبلاط إلى دمشق للقاء بشار الأسد.
اغتيال الحريري ومواجهة “حزب الله”
يخصص جنبلاط مساحة كبيرة لاغتيال صديقه رفيق الحريري (14 فبراير 2005)، متّهمًا النظام السوري علناً بالمسؤولية. يروي تفاصيل اللقاء الأخير بين الحريري والأسد، حيث هدّد الأخير: “لحود هو أنا… وإذا كان جنبلاط يرى أن لديه دروزاً، ليعلم أن لي أنا أيضاً دروزي وأستطيع إثارة الفوضى هناك”.
بعد اغتيال الحريري، يصف جنبلاط كيف استهدفت عمليات الاغتيال (باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل…) كل صوت مناوئ للنظام أو “حزب الله”. وكتب بجرأة أنه خلال جلسة “حوار وطني” عام 2006، قال في حضرة حسن نصر الله: “إن ما نقوم به يذكرنا بكتب سمرقند عن الحشاشين”، مما جعل نصر الله ينظر إليه “بقسوة” معتبراً إياه اتّهاماً شخصياً.
بلغت ذروة المواجهة في مايو 2008 عندما اجتاح مسلحو “حزب الله” أحياء بيروت وحاصروا دارة جنبلاط. لكنه سرعان ما عدّل موقفه بعد اتفاق الدوحة، وعاد لزيارة دمشق عام 2009، كتب عنها أنه “لم يكن سعيداً بحصوله”، لكنه اضطر للمساهمة في “المصالحة اللبنانية-السورية”.
مرآة الانقسامات اللبنانية
يُعدّ كتاب “قدر من المشرق” مرآة عاكسة لعمق الانقسامات والتشظي في المجتمع اللبناني، الذي لم ينجح بعد في تجاوز ماضيه المؤلم. إنه وثيقة مهمة لفهم السياسة اللبنانية عبر عقود من الصراع، بقلم أحد أبرز فاعليها.
تيار



