اخبار ساخنة

لماذا ينام الخفاش مقلوباً؟.. السرّ العلمي وراء إحدى أغرب صور الطبيعة

قد يكون مشهد الخفاش وهو ينام معلّقًا بالمقلوب من أكثر الصور غرابةً في عالم الحيوان، لكن هذه الوضعية ليست مجرد “عادة غريبة” كما يعتقد كثيرون. في الحقيقة، هي إحدى أبرز آليات البقاء والتكيف في الطبيعة، وهو سرّ ظل محيرًا للعلماء حتى تمكنوا مؤخرًا من كشف تفاصيله الدقيقة بفضل تقنيات التصوير المتطورة.

فالنوم بالمقلوب ليس سلوكًا عشوائيًا، بل هو نتيجة تكيف بيولوجي دقيق صُمِّم ليمنح هذا الكائن الطائر أفضل فرصة للبقاء والانطلاق. ووفقًا لأبحاث أجرتها جامعة براون الأمريكية، ونشرتها دورية “بلوس وان بيولوجي” (PLOS ONE Biology) ، استخدم الباحثون كاميرات فائقة السرعة لتصوير حركة الخفافيش في حيز مغلق، ليتبين لهم أن هذه الثدييات الطائرة تستغل الكتلة الزائدة لأجنحتها (الثقيلة نسبيًا بالنسبة لحجم الجسم) لتتمكن من الشقلبة في الهواء والتعلق في السقف، وذلك من خلال رفرفة الجناحين معًا ثم طي أحدهما لنقل مركز ثقل الجسم.

كيف تعلق الخفافيش دون بذل جهد؟

تعتمد آلية التعلق على نظام تشريحي متطور يُعرف بـ “آلية قفل الأوتار” (tendon-locking mechanism) . فبسبب صغر وضعف أرجلها الخلفية، وأجنحتها التي لا تولد قوة دفع كافية للإقلاع من الأرض (على عكس الطيور)، طوّرت الخفافيش تكيفًا فريدًا: عندما تعلق الخفافيش بالمقلوب، فإن وزن جسمها يضغط على أوتار خاصة تغلق مخالبها تلقائيًا دون أي مجهود عضلي. وهذا يعني أنها تستطيع البقاء معلقة لساعات طويلة دون استهلاك أي طاقة.

ثلاث مزايا حاسمة لوضعية “النوم بالمقلوب”

الانطلاق الفوري (الإقلاع السريع): الميزة الأكثر أهمية هي أن الخفاش لا يستطيع الإقلاع من الأرض. وضعية التعلق تمنحه “منصة انطلاق” مثالية؛ إذ يكفي أن يُرخي قبضته قليلاً ليهبط مسافة قصيرة ثم يفتح جناحيه مندفعًا بفعل الجاذبية. هذه الآلية تسمح له بالهروب السريع من الخطر أو الانطلاق لاصطياد الفريسة في لحظات.

الحفاظ على الطاقة: باستخدام آلية القفل الأوتوماتيكي، لا تبذل الخفافيش أي طاقة أثناء النوم أو الراحة. هذا التكيف يسمح لها بالحفاظ على مخزون طاقتها للمهام الحيوية الأخرى كالبحث عن الطعام والطيران.

الحماية من المفترسات: تختار الخفافيش أماكن نوم عالية يصعب الوصول إليها، كأسقف الكهوف أو تجاويف الأشجار أو أغصانها العالية، مما يجعلها بعيدة عن متناول العديد من الحيوانات المفترسة الأرضية.

تفسير علمي لـ”الشقلبة” الجوية

الوصول إلى وضعية التعلق هذه في حد ذاته عمل بهلواني. فالخفاش لا يهبط مباشرة بالمقلوب، بل يقوم بمناورة جوية معقدة لقلب جسمه. تشبه هذه المناورة ما يفعله الغواصون أثناء أداء “الشقلبة” في الهواء، حيث يستغل الخفاش طاقة القصور الذاتي لأجنحته الثقيلة نسبيًا لإعادة توجيه جسمه في الهواء قبل أن يتمسك بسطح التعلق بمخالبه.

تكيفات فسيولوجية مذهلة

لم تقتصر التكيفات على الجهاز العضلي الهيكلي، بل شملت نظام القلب والأوعية الدموية أيضًا، والذي تطور ليتكيف مع الحياة المقلوبة. فالخفافيش لا تعاني من “احتقان الرأس” (head rush) الذي يشعر به الإنسان عندما ينقلب رأسًا على عقب، وذلك بفضل صمامات وأوعية دموية متخصصة تتحكم في تدفق الدماء بشكل مثالي.

بهذا، يُظهر لنا هذا المخلوق الليلي أن ما قد يبدو لنا نحن البشر وضعية غير مريحة، هو بالنسبة له حلٌّ تطوريٌّ متقن يجمع بين الأمان، والحفاظ على الطاقة، والجاهزية الدائمة للانطلاق. إنها تكيفات بيولوجية مذهلة تُظهر مرة أخرى عبقرية الطبيعة في تصميم كائناتها.

إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى