الاخبار

سرّ دفنته واشنطن عقوداً.. برنامج السيطرة على العقول الذي أنكرته CIA

في ذروة الحرب الباردة، أطلقت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) مشروعاً سرياً طموحاً ومثيراً للجدل حمل اسم “الطائر الأزرق” (Bluebird)، استمر بين عامي 1951 و1953. هدفه كان يتجاوز الخيال العلمي: تطوير أساليب فعالة للسيطرة على العقل البشري.

الهدف: خلق جاسوس مطيع وأسير مثالي يفشي كل الأسرار
لم يكن الهدف من المشروع مجرد استجواب بسيط، بل كان الطموح أكبر بكثير. سعت الوكالة إلى:

خلق “جاسوس مثالي” يخضع تماماً لإرادة أجهزة الاستخبارات.

إنتاج “أسير مثالي” يفشي بكل المعلومات التي بحوزته دون مقاومة.

تحقيق درجة من السيطرة تجعل الشخص يطيع الأوامر حتى ضد إرادته وغريزة البقاء.

جعل الشخص ينسى تماماً كل ما تعرض له من تلاعب بعد انتهاء المهمة.

أين أُجريت التجارب؟ بعيداً عن الأراضي الأمريكية
لتجنب الرقابة والملاحقة القانونية، أُجريت تجارب “الطائر الأزرق” خارج الولايات المتحدة، وتحديداً في:

ألمانيا الغربية.

كوريا الجنوبية.

ومناطق أخرى لم تُكشف بالكامل.

الأساليب المستخدمة: من “مصل الحقيقة” إلى غسيل المخ
انخرطت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في أبحاث مكثفة لتطوير “مصل الحقيقة”. في إطار ما سُمي بـ”البحث الطبي”، قام متخصصون من الـ CIA بحقن طلاب جامعيين أمريكيين بأدوية مختلفة ومراقبة ردود أفعالهم خلف مرايا خاصة.

لكن مشروع “الطائر الأزرق” ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، مستخدماً مجموعة صادمة من الأساليب:

تقنيات نفسية وفسيولوجية قاسية
الحرمان الشديد من النوم والطعام والدفء.

أساليب الضغط النفسي المستمرة.

تعريض الأشخاص للموجات فوق الصوتية، والغازات، والاهتزازات، وتغيرات الضغط ودرجة الحرارة.

عقاقير وأدوية
تم إعطاء المواد التالية بهدف إضعاف قدرة الشخص على ضبط النفس وتعزيز الاستجابة للإيحاء:

أميتال الصوديوم.

البنزيدرين.

البيكروتوكسين.

وأدوية أخرى مجهولة.

التنويم المغناطيسي وبرمجة العقل
استُخدم التنويم المغناطيسي بهدف برمجة الأشخاص المعنيين لأداء أفعال محددة، بحيث ينسى الخاضع للتجربة التلاعب الذي تعرض له عند استيقاظه.

الهدف النهائي: “غسيل المخ” وخلق شخصية جديدة
صاغ عميل وكالة المخابرات المركزية إدوارد هنتر مصطلح “غسيل المخ” (Brainwashing) لوصف هذه التكتيكات. طموح القائمين على المشروع، وعلى رأسهم العقيد شيفيلد إدواردز، كان إحداث تغيير جذري في شخصية الفرد، وتحويله إلى “آلة بشرية مطيعة” يمكنها حتى أن تعمل ضد غريزة البقاء لديها.

الفريق المنفذ والدمج مع علماء نازيين
تحت تصرف العقيد إدواردز كان فريق متكامل يضم:

فنيين وصيادلة.

معالجين بالتنويم المغناطيسي.

أطباء نفسيين وخبراء كشف الكذب.

بعد الحرب العالمية الثانية، جندت الوكالة بنشاط متخصصين ألمان، بما في ذلك أطباء نفسيون، للعمل في المشروع. استفادوا من دراسة مواد محاكمات نورمبرغ التي كشفت أساليب الأطباء النازيين. في إطار عملية “مشبك الورق”، نُقل العديد من العلماء الألمان إلى الولايات المتحدة وكندا للمشاركة في هذه الأبحاث.

ضحايا التجارب: من جنود وأسرى إلى مواطنين عاديين
أُجريت التجارب القاسية على فئات متعددة دون موافقتهم، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للأخلاقيات الطبية:

أسرى حرب كوريون شماليون.

جنود أمريكيون خدموا في الحرب الكورية.

يُشتبه في استخدام بعض المواطنين الألمان الغربيين.

كانت الوكالة مهتمة بشكل خاص بدراسة حالات الجنود الأمريكيين في كوريا الذين تأثروا وتأثروا بسرعة بالأفكار الشيوعية.

إرث المشروع: من “الطائر الأزرق” إلى “إم كي ألترا”
على الرغم من إنهاء مشروع “الطائر الأزرق” رسمياً في 1953، إلا أن أفكاره ونتائجه استُغلت في برامج لاحقة للـ CIA، أبرزها:

مشروع “أرتيشوك” (Artichoke): الذي ركز على تطوير “مصل الحقيقة”.

مشروع “إم كي ألترا” (MKUltra): أشهر برامج السيطرة على العقل وأكثرها إثارة للجدل.

في النهاية، فشلت هذه التجارب في تحقيق أهدافها المعلنة، وفي عام 1963، أُنهيت رسمياً جميع برامج محاولة السيطرة على العقل.

كشف السر: وثائق نيويورك تايمز عام 1974
ظلت المعلومات المتعلقة بمشروع “الطائر الأزرق” سرية لعدة عقود، إلى أن تمكن صحفيو صحيفة نيويورك تايمز من الاطلاع على بعض الوثائق عام 1974، ليكشفوا للعالم أحد أحلك وأغرب فصول تاريخ الاستخبارات الأمريكية.

دروس مؤلمة في التلاعب بالوعي البشري
يعتبر مشروع “الطائر الأزرق” اليوم شاهداً على تجاوزات أجهزة الاستخبارات عندما تُترك لها حرية مطلقة وسرية كاملة. العديد من المشاركين في هذه التجارب عانوا من إصابات نفسية وجسدية لا رجعة فيها. القصة برمتها تظل تذكيراً مؤلماً بحدود الأخلاق العلمية، وبالمدى الذي يمكن أن تصل إليه محاولات التلاعب بالوعي البشري باسم الأمن القومي.

روسيا اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى