الاخبار

البحث عن بدائل لمضيق هرمز.. هل سوريا هي الحل؟

تستحضر الذاكرة الاقتصادية اليوم ‘حرب الناقلات’ كأول اختبار حقيقي كشف خطورة الارتهان لمضيق هرمز. فالهجمات المتبادلة في الثمانينيات لم تستهدف السفن فحسب، بل استهدفت شريان الاقتصاد العالمي، مما أسس لعقيدة أمنية خليجية جديدة تقوم على إنشاء خطوط أنابيب ومرافئ بديلة تتجاوز ‘عنق الزجاجة’ في هرمز لتفادي تكرار سيناريوهات الهشاشة الاستراتيجية

السعودية والإمارات تسبقان الأحداث: خطوط أنابيب قديمة تنقذ الموقف اليوم

ردت السعودية بسرعة على تهديدات حرب الناقلات بإنشاء خط أنابيب شرق-غرب يمتد عبر شبه الجزيرة العربية الشاسعة وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو ما وفر لها منفذاً بحرياً بديلاً بعيداً عن مرمى النيران. وبعد سنوات، حذت الإمارات العربية المتحدة حذوها بإنشاء خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذي ينقل النفط من إمارة أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، متجاوزاً بذلك مضيق هرمز بالكامل. هذه البنية التحتية القديمة أثبتت قيمتها اليوم بشكل كبير.

الحرب الأخيرة تعيد إحياء البدائل: خطوط الأنابيب تعمل بطاقتها القصوى

في الحرب الأخيرة التي تحول فيها المضيق من جديد إلى ساحة مواجهة، وأسفرت التوترات عن إغلاقه الفعلي لبعض الوقت، دفع ذلك قادة دول الخليج إلى تسريع خطط تحويل جزء أكبر من نفطهم بعيداً عن هرمز، وذلك لضمان استدامة الصادرات على المدى البعيد. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز في أبريل الماضي، فإن السعودية والإمارات ودولاً خليجية أخرى تدرس حالياً إنشاء خطوط أنابيب نفط جديدة موازية للخطوط القائمة، فضلاً عن توسيع محطات التصدير على امتداد سواحل بديلة.

أرقام قياسية: خط الأنابيب السعودي يعمل بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً

تظهر الأرقام حجم التحول الاستراتيجي، فخط الأنابيب السعودي الحالي الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر يعمل حالياً بكامل طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل في اليوم، مقارنة بـ 5 ملايين برميل فقط قبل الحرب. وعلى الجانب الآخر، تقوم الإمارات بتحويل 1.8 مليون برميل إضافية في اليوم إلى مينائها في الفجيرة، مما يخفف الضغط بشكل كبير على مضيق هرمز.

تحديات كبيرة رغم هامش الأمان: مضاعفة الطاقة المطلوبة لنقل جميع الصادرات السابقة

يقول روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة “قمر للطاقة” (Qamar Energy)، وهي شركة استشارية رائدة مقرها دبي ومتخصصة في استراتيجيات الطاقة والجيوسياسة في الشرق الأوسط، إن هذه الإجراءات، رغم أنها توفر هامش أمان جيداً لأسواق النفط العالمية، إلا أن التحديات لا تزال كبيرة جداً. ويتابع ميلز موضحاً: “قبل الحرب، كان يتدفق عبر مضيق هرمز حوالي 15 مليون برميل من النفط الخام في اليوم. وإذا أردنا نقل جميع صادرات النفط الخام السابقة عبر الخطوط البديلة، فإن ذلك يتطلب مضاعفة طاقة خطوط الأنابيب الحالية على الأقل”، وهو مشروع ضخم يحتاج إلى سنوات.

السبيل الوحيد رغم التكاليف والصعوبات السياسية

ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مسؤولين وخبراء في مجال الطاقة قولهم إنه على الرغم من أن إنشاء خطوط أنابيب جديدة يعتبر مكلفاً جداً ويستغرق وقتاً طويلاً، كما يواجه صعوبات كبيرة بسبب تعقيد الوضع السياسي في المنطقة والمسافات الجغرافية البعيدة، إلا أنه قد يكون السبيل الوحيد أمام دول الخليج للحد من تعرضها للاضطرابات المستقبلية في مضيق هرمز.

الكويت والبحرين وقطر في موقف أصعب: خيارات محدودة ومفاوضات معقدة

لكن ليس جميع دول الخليج في وضع مريح مثل السعودية والإمارات، فالكويت والبحرين وقطر تواجه مشكلة جغرافية كبيرة جداً؛ إذ إنها لا تملك سواحل بديلة أو خطوط أنابيب موجودة مسبقاً، وتُنقل معظم صادراتها من المواد الخام عبر قناة هرمز بشكل شبه حصري. ويؤكد روبن ميلز أن هذه الدول “ستضطر على الأرجح إلى المرور عبر السعودية أو العراق، ما يعني مدّ خطوط أنابيب طويلة جداً والدخول في مفاوضات سياسية معقدة تستغرق ما لا يقل عن ثلاث إلى أربع سنوات، وربما أكثر”، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للضغوط الجيوسياسية.

بeyond النفط: السكك الحديدية كبديل لتصدير السلع الأخرى

إلى جانب خطوط الأنابيب النفطية، تسعى دول الخليج إلى توسيع شبكات السكك الحديدية والطرق البرية لتسهيل تصدير سلع أخرى غير النفط والغاز، مثل المنتجات البتروكيماوية والمواد الغذائية. وفي إطار مشروع “سكك حديد دول مجلس التعاون الخليجي”، يُخطط لإنشاء شبكة سكك حديدية بطول 2100 كيلومتر لربط دول المجلس الست ببعضها البعض بحلول عام 2030، مما سيسهل حركة التجارة البينية ويوفر بدائل لوجستية مهمة.

العراق يتجه غرباً: إعادة تشغيل خط كركوك – جيهان وخطط لتمديده إلى العقبة وسوريا

على الجانب الآخر من الخريطة، أعطت أزمة مضيق هرمز دفعة قوية للعراق لإعادة النظر في خياراته الغربية. ففي سبتمبر الماضي، تم إعادة تشغيل خط كركوك (في العراق) – جيهان (في تركيا) بعد توقف دام عامين ونصف، وهو ينقل حالياً ما يصل إلى 250 ألف برميل يومياً. وتم بناء خط الأنابيب هذا أصلاً في سبعينيات القرن الماضي، لكنه عانى من التخريب والإهمال لعقود.

مشروع ضخم بقيمة 4 مليارات يورو من البصرة إلى الحديثة ثم إلى العقبة

وفي تطور أكثر طموحاً، أطلقت الحكومة العراقية في أوائل أبريل مرحلة المناقصة لجزء “البصرة – حديثة” من خط أنابيب استراتيجي جديد، تبلغ تكلفته حوالي أربعة مليارات يورو، ويمتد من الجنوب العراقي باتجاه الحدود السورية. يُعتبر هذا الخط، الذي يبلغ طوله 685 كيلومتراً، مرحلة أولى بالغة الأهمية، ويمكن تمديده لاحقاً في اتجاهين: إما إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، أو ربما إلى سوريا أو تركيا. وفي حال اكتمال هذا المشروع، ستكون لديه القدرة على نقل ما يصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً، مما يشكل تحولاً جذرياً في خيارات تصدير النفط العراقي.

شاحنات عراقية تتجه إلى الساحل السوري: حل مؤقت بأبعاد سياسية

وفي مؤشر على تسارع الخطوات العملية، شرع العراق منذ أسابيع بتصدير بعض نفطه عبر سوريا عن طريق نقله بالشاحنات إلى الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك يتم تحميله على السفن إلى وجهته النهائية. هذا الحل المؤقت، رغم كونه مكلفاً وأقل كفاءة، يعكس مدى urgency التي يشعر بها العراق لتنويع ممرات تصديره.

خيار عماني آخر: محادثات أولية لخط أنابيب إلى ميناء الدقم

إلى جانب الخيارات الغربية، يدرس العراق أيضاً إنشاء خط أنابيب آخر يتجه جنوباً إلى ميناء الدقم العماني على خليج عُمان، وهو ميناء استراتيجي يطل على مياه المحيط الهندي مباشرة. وقد أُعلن عن بدء المحادثات الأولية حول هذا المشروع في سبتمبر الماضي، مما يعكس رغبة عراقية حقيقية في كسر الاحتكار الإيراني لممرات التصدير عبر الخليج.

تحول جيوسياسي طويل الأمد يعيد رسم خرائط الطاقة في المنطقة

في المحصلة، ما نشهده اليوم هو تحول جيوسياسي عميق وطويل الأمد في طريقة تفكير دول المنطقة بخصوص أمن الطاقة. فأزمة مضيق هرمز الأخيرة أعادت إحياء مشاريع كانت نائمة لعقود، ودفعت السعودية والإمارات إلى استغلال طاقاتهما البديلة القصوى، بينما بدأ العراق خطوات عملية باتجاه الغرب والجنوب. ورغم أن هذه البدائل لن تحل محل مضيق هرمز بالكامل في المدى القريب، إلا أنها ستمنح دول الخليج هامش أمان أكبر وتنوعاً في الممرات، مما يغير موازين القوة في سوق النفط العالمية لسنوات قادمة.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى