الاخبار

هل تنضم الدلافين للمعركة في هرمز؟

في مؤتمر صحفي غير معتاد في “البنتاغون”، وجه الصحفيون سؤالاً مباشراً إلى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث حول تقارير استخباراتية تحدثت عن امتلاك إيران “دلافين انتحارية” (Kamikaze dolphins) قادرة على تنفيذ هجمات ضد السفن الحربية في مضيق هرمز .

جاء رد هيغسيث غامضاً ومحسوباً: قال إنه لا يستطيع تأكيد أو نفي امتلاك بلاده لمثل هذه القدرات، لكنه أكد بشكل قاطع أن الإيرانيين لا يمتلكونها .

هذا التصريح أثار ضحكات الحاضرين، خاصة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين الذي علق قائلاً: “لم أسمع قط بمثل هذه الدلافين، هذا مثل أسماك القرش بأشعة اليزر” .

الحقيقة: برنامج الدلافين العسكري الأمريكي موجود وضخم
المفارقة اللافتة أن البرنامج الحقيقي والأكثر تطوراً في هذا المجال ليس لدى إيران، بل لدى الولايات المتحدة نفسها .

متى بدأ البرنامج؟
بدأت البحرية الأمريكية استكشاف الإمكانات العسكرية للدلافين قارورية الأنف منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي. اكتشف الباحثون قدراتها الاستثنائية في استخدام السونار البيولوجي، وهي قدرة طبيعية فريدة جعلتها تتفوق على كثير من الأنظمة الإلكترونية الحديثة في اكتشاف الأجسام المعدنية تحت الماء .

في عام 1960، بدأ البرنامج كدراسة على الدلافين البيضاء لتحسين التكنولوجيا البشرية. وبعد عامين فقط، أدى ذكاء الدلافين إلى تأسيس برنامج رسمي للاستفادة من قدراتها في البحث عن الأجسام في المحيط .

أبرز المحطات الزمنية
1965: الدولفين “تافي” شارك في مشروع بحري لنقل الأدوات والرسائل على عمق 60 متراً، والبحث عن الغواصين وإرشادهم إلى بر الأمان.

1967: أصبح البرنامج سرياً ووضع تحت إدارة مركز أنظمة الفضاء والحرب البحرية.

حرب فيتنام (1970): استخدمت القوات الأمريكية الدلافين لحماية الموانئ والسفن والمنشآت، بما فيها رصيف الذخيرة التابع للجيش.

الثمانينيات (الحرب العراقية الإيرانية): استخدمت الدلافين في البحرين لحماية المنشآت والأصول العسكرية الأمريكية في الخليج، ولا سيما الأسطول الخامس.

2003 (غزو العراق): استخدمت الدلافين لإزالة الألغام في الخليج العربي ونجحت في تحييد عشرات الألغام البحرية .

الفرق العسكرية للثدييات الأمريكية
يوجد خمسة فرق عسكرية من الثدييات البحرية (“MK 4” إلى “MK 8”)، بعضها مكون من الدلافين وبعضها من أسود البحر :

الفرقة MK 4 (دلافين): كشف الألغام البحرية العائمة.

الفرقة MK 7 (دلافين): كشف الألغام في قاع البحر.

الفرقة MK 8 (دلافين): تحديد الممرات الآمنة قبل إنزال القوات على الشواطئ.

الفرقة MK 6 (دلافين وأسود بحر): حماية الموانئ والسفن من السباحين غير المصرح لهم.

الفرقة MK 5 (أسود بحر): استعادة المعدات التي تطلق من السفن أو الطائرات للاختبار.

واليوم، يواصل البرنامج عمله تحت إشراف مركز الحرب المعلوماتية البحرية في المحيط الهادئ، مع تأكيد رسمي أن مهامه تقتصر على الكشف والرصد والاعتراض غير القتالي .

قصة الدلافين الإيرانية: الأسطورة التي لا تموت
القصة المثيرة للاهتمام تعود إلى عام 2000، عندما أعلن مدرب روسي يدعى بوريس جوريد أنه باع مجموعة من الدلافين السوفياتية المدربة إلى إيران. وكان سبب البيع أنه لم يعد قادراً على إطعامها بعد أن نفدت أمواله .

هذه الدلافين كانت قد تدربت في الحقبة السوفياتية على مهاجمة السفن والغواصين المعادين، وحمل ألغام تتفجر عند الاصطدام .

لا أحد يعرف على وجه الدقة عدد الدلافين المدربة التي وصلت إلى إيران، لأن جوريد كان يملك عدة حيوانات بحرية إلى جانبها مثل أسود البحر والفقمات .

هل الدلافين الانتحارية حقيقة أم خيال؟
هذا السؤال ظل يلاحق البحرية الأمريكية لعقود. ففي تسعينيات القرن الماضي، ظهرت تقارير نقلت عن مدربين سابقين مزاعم تفيد بأن بعض الدلافين خضعت لتدريبات على مهاجمة غواصين أعداء باستخدام أدوات أو شحنات تثبت على مقدمة أجسادها .

وحينها، سارعت البحرية الأمريكية إلى النفي القاطع، مؤكدة أن الحيوانات لم تُدرّب على قتل البشر. ومع ذلك، لم تتوقف الروايات المثيرة .

في مذكراته، تحدث مستكشف الأعماق الشهير روبرت بالارد عن عرض تلقاه خلال حرب فيتنام للمشاركة في برنامج لتدريب دلافين على تنفيذ هجمات ضد غواصين، وأكد أنه رفض ذلك لأسباب أخلاقية .

لماذا تستمر أمريكا في استخدام الدلافين رغم التكنولوجيا الحديثة؟
رغم التطور الهائل في تقنيات الروبوتات البحرية والمركبات غير المأهولة، لم تتخلَ البحرية الأمريكية عن برنامجها الخاص بالثدييات البحرية. في عام 2022، درست المؤسسة العسكرية إمكانية تقليص البرنامج لصالح الأنظمة الذكية الحديثة، إلا أن التقييمات العملية أظهرت أن التكنولوجيا الحالية لا تزال عاجزة عن محاكاة الكفاءة البيولوجية للدلافين، خصوصاً في البيئات المعقدة التي تتطلب استجابة حسية فائقة .

سباق غامض تحت الماء
تصريح هيغسيث جاء في سياق التوتر المتصاعد في مضيق هرمز منذ 28 فبراير/شباط 2026، إثر الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران . ومع إعلان البنتاغون عن زرع ألغام إيرانية في المضيق خلال الهدنة ، وتهديدات طهران باستخدام أسلحة لم تستخدم من قبل، عادت أسطورة “الدلافين الانتحارية” إلى الواجهة.

الحقيقة أن الولايات المتحدة تمتلك برنامجاً عسكرياً متطوراً للثدييات البحرية يعود إلى ستينيات القرن الماضي. وأما إيران، فقصتها تعود إلى شراء دلافين سوفياتية مدربة في عام 2000 . لكن السؤال الذي ظل معلقاً لعقود لا يزال دون إجابة: هل هذه الدلافين مدربة على مهام هجومية؟ البحرية الأمريكية تنفي، لكن الطبيعة السرية للبرنامج تبقيه واحداً من أكثر الملفات غموضاً في التاريخ العسكري الحديث .

عربي21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى