المصرف المركزي يغيّر نهجه النقدي.. هل تقترب الليرة الجديدة من سعر السوق الموازي؟

في خطوة لافتة، كسر مصرف سورية المركزي حالة “الهدوء النقدي” التي رافقت نشراته الرسمية خلال الأشهر الماضية، وذلك بعد إجراء تعديل مفاجئ على سعر الصرف الرسمي عقب إطلاق الإصدار النقدي الجديد وحذف الأصفار.
هذا التحرك أعاد فتح باب التساؤلات حول اتجاه السياسة النقدية المقبلة، وإمكانية اقتراب الليرة الجديدة من مستويات السوق الموازية.
تحول في سياسة سعر الصرف
يرى خبراء اقتصاد أن ما حدث لا يقتصر على تعديل رقمي بسيط، بل يعكس تحولًا أعمق في إدارة سعر الصرف.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة أوضح أن سياسة سعر الصرف تمثل الأساس في أي برنامج نقدي، وأن الانتقال من التثبيت الإداري إلى ما يشبه “المرونة المدارَة” يعد اختبارًا حقيقيًا لنجاح الإصلاحات النقدية التي بدأت مؤخرًا.
وبحسبه، بدأ المصرف المركزي خلال الفترة الأخيرة بمحاولة تقليص الفجوة مع السوق الموازية تدريجيًا، من خلال تعديلات على السعر الرسمي ضمن هامش تحرك وصل إلى نحو 15%، إضافة إلى رفع مفاجئ بنسبة تجاوزت 2% دفعة واحدة، وهو ما قد يشير إلى توجه جديد يقوم على التكيف مع السوق بدل تجاهله.
من الدفاع إلى ملاحقة السوق
يطرح هذا التحول سؤالًا مهمًا: هل انتقل المركزي من الدفاع عن سعر ثابت إلى ملاحقة سعر السوق؟
بحسب التحليل الأكاديمي، فإن السياسات السابقة كانت تعتمد على تثبيت السعر عبر التدخل المباشر أو القيود الصارمة، بينما يشير رفع السعر الرسمي بمقدار ملحوظ واعتماد هامش حركة أوسع إلى تغيير في النهج، حيث باتت السياسة أقرب إلى متابعة السوق بشكل غير مباشر، دون الوصول إلى تعويم كامل، وإنما ما يُعرف بـ”التعويم المدار”.
رسائل اقتصادية مزدوجة
التعديل الأخير في سعر الصرف يحمل أكثر من رسالة في آن واحد.
فمن جهة، يعكس اعترافًا بوجود ضغوط حقيقية في سوق العرض والطلب، ومن جهة أخرى يشير إلى محاولة تهدئة السوق دون معالجة الفجوة بشكل جذري.
ورغم أن التعديل الرسمي اقترب قليلًا من الواقع السوقي، إلا أنه لا يزال أقل من المستوى المطلوب لسد الفجوة بشكل كامل، ما يجعله خطوة تنظيمية أكثر من كونه حلًا نهائيًا.
الفجوة مع السوق الموازية.. تحدٍ مستمر
يحذر خبراء الاقتصاد من استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية عند مستويات مرتفعة، معتبرين أن ذلك قد يضعف فعالية سياسة “التعويم المدار”.
فكلما اتسعت الفجوة، زادت جاذبية السوق السوداء، وارتفعت شهية الاحتفاظ بالعملة الأجنبية خارج القنوات الرسمية، إضافة إلى تراجع الثقة في الليرة الجديدة كأداة ادخار أو تعامل.
وتشير دراسات اقتصادية إلى أن الفجوة الآمنة في مثل هذه الحالات يجب ألا تتجاوز 10 إلى 12%، بينما تجاوزها إلى مستويات أعلى قد يدفع المتعاملين إلى التخلي عن العملة المحلية أو استخدامها فقط كوسيلة حسابية دون قيمة ادخارية حقيقية.
ما المطلوب لتعزيز الثقة النقدية؟
في تقييمه النهائي، يرى خبراء أن الخطوة الأخيرة للمصرف المركزي إيجابية من حيث المبدأ، لكنها غير كافية لإحداث استقرار نقدي مستدام.
ويقترحون مجموعة من الإجراءات لتعزيز الثقة في الليرة الجديدة، أبرزها:
تقليص الفجوة مع السوق الموازية إلى أقل من 10%
زيادة سرعة وتكرار تعديلات سعر الصرف بدل التغييرات المفاجئة.
رفع العائد على الودائع بالليرة لتحفيز الاحتفاظ بها
التحول التدريجي نحو آلية تسعير أكثر شفافية تعتمد على السوق
وبدون هذه الخطوات، قد تبقى الليرة الجديدة في حالة توازن هش بين التوجيه الإداري وقوى السوق، ما يحد من قدرتها على استعادة الثقة النقدية بشكل كامل.



