اقتصاد

الفائض المالي في سورية.. هل يعكس تعافي الاقتصاد أم يخفي تحديات أعمق؟

قد يبدو الإعلان عن تحقيق فائض في المالية العامة مؤشراً إيجابياً، خاصة في بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب. ففي الظروف الطبيعية، يرتبط فائض الموازنة بتحسن النشاط الاقتصادي، وزيادة الإنتاج، واتساع القاعدة الضريبية، وارتفاع الاستثمارات.
لكن في الحالة السورية، يطرح هذا المؤشر تساؤلاً أساسياً: هل جاء الفائض نتيجة انتعاش اقتصادي حقيقي، أم أنه تحقق بفعل إجراءات مالية حمّلت المجتمع جزءاً كبيراً من كلفة الإصلاح؟
هذا التساؤل يكتسب أهمية بعد التقرير الصادر عن المركز السوري لبحوث السياسات بعنوان “المالية العامة في سوريا الانتقالية: فائض محاسبي، وعجز في الدور التنموي للدولة، وإعادة إنتاج التفاوت”، والذي يدعو إلى عدم الاكتفاء بقراءة أرقام الموازنة بمعزل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
فائض مالي.. ونمو اقتصادي محدود
بحسب التقرير، سجلت المالية العامة خلال عام 2025 فائضاً يقارب 46 مليون دولار، في حين لم يتجاوز معدل النمو الاقتصادي الحقيقي 0.3%.
ويشير هذا التباين إلى أن الاقتصاد لا يزال بعيداً عن تحقيق تعافٍ فعلي، إذ إن هذا المستوى من النمو لا يكفي لخلق فرص عمل جديدة أو إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية أو تحسين مستويات الدخل.
ومن هذا المنطلق، يرى التقرير أن الفائض المالي، رغم أهميته من الناحية المحاسبية، لا يمكن اعتباره مؤشراً كافياً على تحسن الاقتصاد أو استعادة قدرته على النمو.
الجباية تتقدم على الاستثمار
ويكشف التقرير عن تغير واضح في هيكل الإيرادات العامة، حيث أصبحت الرسوم الجمركية تشكل نحو 39% من إجمالي الإيرادات، بينما ساهمت الضرائب والرسوم الأخرى بحوالي 31%، في مقابل تراجع الإنفاق الاستثماري إلى نحو 7% فقط من إجمالي الإنفاق العام.
وتعكس هذه الأرقام، وفق التقرير، اتجاهاً نحو الاعتماد بصورة أكبر على الإيرادات الجبائية، مقابل انخفاض الإنفاق الموجه للاستثمار، الذي يعد من أهم محركات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
تراجع الاستثمار يحد من فرص التعافي
ويرى التقرير أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى استثمارات واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية، بما يشمل الكهرباء والمياه والطرق، إضافة إلى تطوير قطاعات الصحة والتعليم، ودعم الزراعة والصناعة التي تعرضت لخسائر كبيرة خلال سنوات الحرب.
ويحذر من أن انخفاض الإنفاق الاستثماري إلى هذه المستويات قد يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام في السنوات المقبلة.
رفع الدعم وتأثيره على الاقتصاد
ويتناول التقرير أيضاً انعكاسات تقليص الدعم الحكومي، موضحاً أن رفع أسعار الكهرباء والمحروقات والخدمات العامة ساعد في تخفيف الضغوط على الموازنة، لكنه في الوقت نفسه زاد الأعباء على الأسر والمنتجين.
ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا ينعكس فقط على الإنفاق الأسري، بل يؤدي أيضاً إلى زيادة تكاليف الإنتاج في القطاعات الزراعية والصناعية والنقل، الأمر الذي يرفع أسعار السلع والخدمات ويؤثر في القدرة التنافسية للاقتصاد.
تحديات اجتماعية متزايدة
ويضع التقرير هذه التطورات في سياقها الاجتماعي، لافتاً إلى أن التقديرات الدولية تشير إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما يحتاج نحو 16.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.
وفي ظل هذه الظروف، فإن أي زيادة في أسعار الخدمات والطاقة قد يكون لها تأثير مباشر على مستويات المعيشة والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
التوازن بين الانضباط المالي والتنمية
وفي المقابل، يؤكد التقرير أن تحقيق الانضباط المالي يظل هدفاً مهماً، لأن استمرار العجز في الموازنة قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة العملة، وزيادة الضغوط الاقتصادية.
لكنه يشدد على أن نجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بتحقيق فائض في الموازنة، بل بقدرتها على دعم الاستثمار، وتحفيز الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
الفائض ليس مؤشراً وحيداً للنجاح
ويخلص التقرير إلى أن الفائض المالي لا ينبغي اعتباره غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين حياة المواطنين. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية يبقى في قدرتها على رفع الإنتاجية، وتحسين مستويات المعيشة، وتوفير فرص العمل.
وفي هذا السياق، يرى التقرير أن تحقيق فوائض مالية لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا إذا ترافق مع توسع النشاط الاقتصادي وتحسن المؤشرات الاجتماعية، وإلا فإنه يظل إنجازاً محاسبياً أكثر من كونه مؤشراً على تعافٍ اقتصادي شامل.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى