“المركزي” يخفض الليرة مقابل الدولار.. ماذا يعني ذلك للأسواق والمعيشة في سورية؟

أعلن مصرف سورية المركزي، عن تعديل جديد في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي والعملات الأجنبية، في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في السياسة النقدية بعد فترة من الاستقرار النسبي استمرت منذ مايو 2025.
وبحسب النشرة الرسمية، تم تحديد سعر الدولار عند 112.5 ليرة سورية جديدة للشراء و113.5 ليرة للمبيع، مقارنة بالمستويات السابقة التي تراوحت بين 110 و111 ليرة.
كما سجّل اليورو متوسط سعر بلغ نحو 132.41 ليرة جديدة، ما يشير إلى تراجع إضافي في قيمة العملة المحلية.
سياسة نقدية أكثر مرونة
يأتي هذا القرار في سياق توجه أوسع نحو تحرير حركة سعر الصرف بشكل تدريجي، حيث كان المصرف قد وسّع مؤخراً هامش التذبذب المسموح به من 7% إلى 15%، في محاولة لمنح السوق الرسمية قدرة أكبر على التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية.
لكن هذا التعديل لم ينجح في تقليص الفجوة مع السوق الموازية، إذ لا يزال سعر الدولار في التداول غير الرسمي يتجاوز 13 ألف ليرة قديمة، بفارق كبير عن السعر الرسمي، ما يعكس استمرار حالة عدم التوازن بين العرض والطلب.
فجوة مقلقة بين الواقع والأرقام
لم يعد الفرق بين السعرين مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح عاملاً ضاغطاً على مجمل النشاط الاقتصادي، خاصة في ظل تراجع قيمة الليرة بأكثر من 99% منذ عام 2011.
ويأتي ذلك بالتوازي مع نمو اقتصادي ضعيف وتحديات كبيرة في التمويل والتجارة، ما يزيد من هشاشة الوضع العام.
اقتصاد مثقل بالأزمات
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري لا يزال يعاني من نقص السيولة وتراجع الدعم الخارجي، إضافة إلى استمرار القيود على قطاعات حيوية مثل الطاقة والتجارة.
كما تظهر البيانات أن مستويات الفقر مرتفعة بشكل حاد، مع تراجع واضح في القدرة الشرائية للسكان.
قراءة في القرار
يرى الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى أن هذا الإجراء لا يمكن اعتباره مجرد تعديل رقمي، بل هو جزء من محاولة أوسع لإعادة ضبط السياسة النقدية بعد سنوات من الضغوط والتشوهات في سوق الصرف.
ويشير إلى أن الخطوة ترافقت مع إجراءات أخرى، مثل اعتماد الليرة السورية في بعض التعاملات المحلية، وإطلاق خطط لإنشاء منصة لتداول العملات، ما يعكس توجهاً نحو تنظيم السوق بشكل أكثر شمولاً.
بين الإصلاح والمخاطر
ورغم أن هذه الإجراءات قد تسهم في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً باستمرارها ضمن خطة متكاملة، خاصة في ظل تحديات مثل ضعف الصادرات وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يضغط على احتياطي العملات الأجنبية.
كما أن زيادة السيولة في السوق، سواء عبر رفع الرواتب أو غيرها، قد تؤدي إلى ارتفاع الطلب على الدولار، ما يفاقم الضغوط على سعر الصرف.
تأثيرات مباشرة على المعيشة
من المتوقع أن ينعكس هذا التعديل سريعاً على الأسعار، خصوصاً مع ارتباط تكاليف الطاقة والنقل بسعر الصرف، الأمر الذي قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة، تزيد من الأعباء على المواطنين في ظل دخل محدود.
سوق موازية مستمرة
رغم محاولات ضبط السوق، تبقى السوق السوداء حاضرة بقوة، نتيجة ضعف قدرة القنوات الرسمية على تلبية الطلب، وهو ما يجعل القضاء عليها أمراً صعباً في المدى القريب، وإن كان من الممكن تقليص تأثيرها تدريجياً.
خلاصة المشهد
في المجمل، تمثل هذه الخطوة محاولة لمعالجة اختلالات عميقة في الاقتصاد السوري، لكنها تحمل في طياتها تحديات كبيرة. فنجاحها لا يعتمد فقط على تعديل سعر الصرف، بل على قدرة السياسات الاقتصادية على استعادة الثقة، وضبط التضخم، وتأمين موارد مستدامة من العملات الأجنبية.
بدون ذلك، قد تبقى هذه الإجراءات مجرد حلول مؤقتة ضمن أزمة أعمق.
الحل



