غير مصنف

مستقبل التواجد الأجنبي في سوريا وأهمية استثمار سوريا لعلاقتها مع روسيا

يُنظر إلى الانسحاب الأمريكي من سوريا على أنه خطوة نحو استكمال استعادة السيادة الوطنية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي غير المرغوب فيه على الأراضي السورية. ولكن التحدي الأكبر الذي يواجه دمشق الآن هو قدرتها على ملء الفراغ ومواجهة العدوان الإسرائيلي المتكرر على أراضيها.

الانسحاب الأمريكي

أعلنت وزارة الخارجية السورية يوم الخميس أن جميع المواقع العسكرية التي كانت تستخدمها القوات الأمريكية في سوريا قد تم إخلاؤها وتسليمها بالكامل للسلطات السورية، مما يمثل نهاية الوجود العسكري الأمريكي في البلاد. وكان آخر موقع تم تسليمه هو قاعدة “قصرك الجوية” في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

وجاء قرار الانسحاب بعد أن خلصت واشنطن إلى أن مهمة وجودها العسكري في سوريا، والتي كانت تهدف في الأساس إلى محاربة تنظيم “داعش”، لم تعد ضرورية. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تقدم كبير في دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (وهي الفصائل الكردية التي كانت الحليف الرئيسي لأمريكا) في مؤسسات الدولة السورية. وقد تسارعت وتيرة الانسحاب بعد لقاء جمع رئيس الإدارة السورية الجديدة، أحمد الشرع، بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ومن منظور الحكومة السورية، يمثل الانسحاب الأمريكي مكسباً استراتيجياً كبيراً في الوقت الحالي، ويمنح الحكومة شرعية إضافية على الصعيدين الداخلي والدولي. ويعطي هذا الانسحاب رمزية تعبر عن ثقة الإدارة الأمريكية في قدرة الحكومة السورية على قيادة جهود مكافحة الإرهاب بنفسها، وهو ما أعلنته وزارة الخارجية السورية.
مستقبل التواجد العسكري الأجنبي المتبقي في البلاد

بعدما انسحبت أمريكا، يبدو أن كلاً من تركيا وروسيا عاقدتان العزم على البقاء، بينما ليس هناك وضوح في النوايا الإسرائيلية المحتلة لأجزاء من الجنوب السوري.

تركيا بدورها، تؤكد بشكل قاطع أنها لن تسحب قواتها من سوريا، وهو ما برز في تصريح وزير الدفاع التركي يشار غولر: “ليس لدينا أجندة للانسحاب أو مغادرة تلك المناطق… نحن لا نكترث بما يقوله الآخرون”. فيما مدد البرلمان التركي تفويض نشر القوات في سوريا والعراق لثلاث سنوات إضافية في أكتوبر العام السابق.

موقف أنقرة يعود إلى تيقّنها بأن وجودها ضروري لمواجهة “التهديد الإرهابي” الذي تشكله وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية، حتى لو تم دمج هذه القوات في الجيش السوري. كما أن تركيا تسعى للحفاظ على نفوذ سياسي كبير في سوريا ما بعد الأسد، وتريد ضمان عدم قيام أي كيان كردي شبه مستقل على حدودها، ولها طموحات إقليمية في موازنة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

روسيا، على الجانب الآخر، تعيد هيكلة وجودها وليس إنهاءه. فعلى الرغم من الانسحاب الكبير من المواقع الأمامية في شمال وشرق سوريا في عام 2025، لا تزال موسكو تحتفظ بعدة مئات إلى ألف جندي في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية. هذا يعني أن روسيا لا تزال لاعباً رئيسياً، لكن نفوذها المباشر على الأرض تحول إلى دور استشاري وتدريبي. فيما سبق وأن أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن القاعدتين الروسيتين سيتم تحويلهما إلى مراكز تدريب للجيش السوري.

التواجد الروسي في سوريا مهم لها استراتيجياً شرق البحر المتوسط. حيث يمنح أسطولها البحري قدرة على الانتشار والإمداد بعيداً عن قواعده في البحر الأسود. كما أن القاعدتين تشكلان نقاط عبور ومراكز لوجستية لنشر قواتها وإيصال مساعداتها إلى القارة الأفريقية. والوجود في سوريا يمنح روسيا بطاقة دخول لا غنى عنها إلى غرفة العمليات الإقليمية، حيث تؤكد مكانتها كدولة عظمى لا يمكن تجاهلها.
مصلحة سوريا

من منظور السيادة الوطنية والقانون الدولي، لا مصلحة لسوريا في القواعد الأجنبية، بل هي انتهاك للسيادة يجب إنهاؤه. لكن من منظور الواقع السياسي والعسكري الحالي، تعتبر الحكومة السورية وجود القواعد التركية مثلاً ضرورة مؤقتة لتأمين المناطق الشرقية في ظل واقع الحدود المشتركة الطويلة بين البلدين والحصول على دعم عسكري واقتصادي مهم لها في المرحلة الراهنة.
وفي حالة القواعد الروسية هناك استفادة هامة لسوريا منها. حيث تقدم روسيا مساعدات في تدريب الجيش السوري وإصلاح معداته وتطوير أنظمة الاتصالات والدفاع الجوي لديه إلى جانب المساعدات الاقتصادية. كما أن العلاقات القوية مع روسيا يمنح سوريا ورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب وإسرائيل.

ومن غير الممكن إغفال أن روسيا تُعتبر “العنوان الرئيسي” بالنسبة لإسرائيل عندما يتعلق الأمر بالوضع في سوريا، وبالتالي فإن موسكو هي الوحيدة القادرة على كبح جماح إسرائيل في سوريا، على عكس تركيا التي هي في حالة عداء سياسي حاد مع تل أبيب، مع وجود حدود واضحة تمنع تحول هذا العداء إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فقد سبق وأن وصف الرئيس التركي أردوغان إسرائيل بأنها “دولة إرهابية” و”فاشية”.

سوريا نفسها تدرك هذه الحقيقة، وهي التي تسعى حالياً لعودة انتشار قوات روسية إلى مناطق في جنوب سوريا كالقنيطرة، ليس لأنها تتوقع من روسيا أن تشتبك مع الطائرات الإسرائيلية، بل لأن وجودها سيخلق منطقة عازلة سياسية ترفع كلفة الاجتياح البري الإسرائيلي وتحد من الحركة المطلقة للجيش الإسرائيلي.

دعوة أمريكية للانسحاب الروسي من سوريا

دعا عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون إلى إنهاء الوجود العسكري الروسي في سوريا، معتبراً أنه لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القواعد الروسية، في ظل ما وصفه بـ “الدعم الأمريكي القوي” لاستقرار البلاد ووحدتها. وقال أن انسحاب القوات الأمريكية ورفع العقوبات يفرض على دمشق اتخاذ ما اعتبره “القرار الصحيح” بطرد القوات الروسية، في وقت تغافل فيه عن وجود القوات التركية والإسرائيلية في البلاد.

وبعد الاطلاع على السيرة الذاتية للمسؤول الأمريكي والتي تُشير إلى أنه معروف بدعمه القوي لإسرائيل، ومؤلف قانون مستقبل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يتعزز القول بأن إسرائيل هي الصديق الوحيد والثابت لأمريكا في الشرق الأوسط. ووجود روسيا في سوريا بالنسبة لويلسون يعرقل طموحات إسرائيل التوسعية ويكبحها عن فعل ما تريده في البلاد.

ومن المعروف أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقة استراتيجية مميزة، وهو ما يمكنها من تحقيق كافة رغباتها وأهدافها الأمنية والسياسية، حتى لو كان ذلك على حساب أقرب حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة. فالدعم العسكري والدبلوماسي المطلق الذي توفره الإدارة الأمريكية لإسرائيل يتجاوز حدود الحلفاء الآخرين، كما يتجلى في تجاهل المطالب العربية وحتى التركية، لضمان تفوق إسرائيل العسكري وتأمين مصالحها الوجودية.

وبنظر المراقبين، فإن الانسحاب الأمريكي من سوريا، ربما يكون في إطار خطة تصب في مصلحة إسرائيل وليس كما تم ترويجه من مساعدة لدمشق، وهي جزء من إعادة تموضع استراتيجي أوسع. كما أن وجود مبعوث أمريكي مثل توم باراك يعكس محاولة للتأثير سياسياً ودفع الحكومة السورية نحو مسار معين.

وباختصار، فإن استمرار الوجود الروسي إلى جانب دمشق أمام هذه التحديات يمكن أن يعزز استقرار سوريا وأمنها، ويُضعف من الهيمنة الأمريكية والتركية على قرارها. وهذه العلاقة معقدة قائمة على المصالح المتبادلة، حيث تمنع روسيا انهيار الدولة السورية وتعزز جيشها، بينما تحصل سوريا على حليف دولي قوي يُقلص من عزلتها ويُحسن موقعها التفاوضي مع إسرائيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى