وزارة العدل السورية تحيل قاضياً منشقاً إلى التقاعد بعد 6 أشهر من عودته

أحالت وزارة العدل القاضي أحمد النعيمي، أحد أقدم القضاة السوريين والمنشق عن النظام البائد منذ 2012، إلى التقاعد فوراً. جاء القرار بعد نشر “زمان الوصل” تقريراً كشف تعرض النعيمي لظلم مهني إثر عودته لعمله بصفة مستشار.
خسر النعيمي ميزة التمديد القانوني حتى سن السبعين، رغم خبرته القضائية الطويلة. واجه القاضي المنشق ضغوطاً مهنية تمثلت في رئاسة قاضٍ من تركة النظام البائد عليه في العمل، قبل صدور قرار استبعاده الأخير.
قاضي من أوائل المنشقين
القاضي أحمد النعيمي ليس قاضياً عادياً. خدم في سلك القضاء السوري خمسة وثلاثين عاماً، وشغل منصب رئيس النيابة العامة في حلب. وفي العام 2012، حين كان الانشقاق عن منظومة النظام البائد فعلاً محفوفاً بالمخاطر، كان من أوائل القضاة الذين أعلنوا رفضهم لتسييس القضاء وتوظيفه أداة للقمع.
دفع الثمن كاملاً: ضغوطاً نفسية وجسدية ومادية في رحلة لجوء قاربت ثلاثة عشر عاماً، ومصادرة أرزاقه وبيته، وتدمير مستقبل عائلته.
عودة مؤلمة
سقط النظام، وصدر مرسوم العودة. عاد القاضي النعيمي إلى سوريا، لكنه عاد ليجد نفسه مجرد “مستشار” في محكمة لا يقدم فيها ولا يؤخر. والمأساة الحقيقية أن رئيس هذه المحكمة هو قاضٍ من منظومة النظام البائد.
مكافأة أم عقاب مقنع؟
يتساءل التقرير: كيف يُعاد قاضٍ منشق، من أوائل المنشقين وأقدمهم، ليجد نفسه أدنى مرتبة من قضاة النظام البائد الذين انشق عنهم أصلاً؟ كيف يُوضع في موقع “مستشار” تحت سلطة قاضٍ كان جزءاً من آلة القمع القضائي؟
هذه ليست مكافأة، بل عقاب مقنع. بدل أن يُكرّم القاضي النعيمي على تاريخه وموقفه وتضحياته، يُوضع في موقع لا يليق بتاريخه ولا بخبرته، يجد نفسه غريباً في محكمة يرأسها من يمثلون كل ما انشق ضده.
نموذج لمأساة القضاة المنشقين
هذه الحالة تكثف مأساة عدد كبير من القضاة المنشقين. لقد عادوا إلى وطن “النصر المبين” ليكتشفوا أن النصر ما زال منقوصاً في أروقة القضاء، وأن مرسوم العودة لم يرافقه تطهير حقيقي للمؤسسة القضائية من رموز العهد البائد، وأن الإنصاف المنشود تحول، في تطبيقه العملي، إلى إهانة متجددة وإيذاء نفسي لا يقل قسوة عن الإيذاء المادي الذي عانوه في المنفى.
جوهر العدالة الانتقالية
إن جوهر العدالة الانتقالية لا يتحقق بمراسيم العودة وحدها. يتحقق حين يوضع كل ذي حق في موقعه الصحيح، حين يُستثمر القاضي المنشق صاحب الخبرة الواسعة في موقع يليق بتاريخه وكفاءته، لا أن يُهمش تحت سلطة من كانوا جزءاً من منظومة الظلم. يتحقق حين تكون رسالة الدولة واضحة: نحن نميز بين من خدموا العدالة ومن خدموا الاستبداد.
جرس إنذار لإصلاح القضاء
ما يتعرض له القاضي أحمد النعيمي، وما يتعرض له عدد كبير من القضاة المنشقين معه، هو جرس إنذار. هو دليل على أن عملية إصلاح القضاء السوري ما زالت تراوح مكانها، ترقّع شكلياً بدل أن تعيد البناء من الأساس، وهو اختبار حقيقي لإرادة الدولة الجديدة في القطيعة مع إرث النظام البائد.
زمان الوصل



