الحياة الحزبية مؤجلة لما بعد الدستور .. هل عادت المادة الثامنة إلى سوريا؟

في حديثه الأخير، كرر الرئيس السوري أحمد الشرع وعده بإجراء انتخابات حرة بعد نهاية المرحلة الانتقالية. لكن الجديد كان إشارته إلى أن قوانين الأحزاب ستقر بعد الدستور، مما يعني عملياً تأجيل الحياة الحزبية إلى ما بعد كتابة الدستور الجديد والتصويت عليه. هذا التأجيل أثار مخاوف من عودة “عقلية الحزب الواحد” التي جسدتها المادة الثامنة من دستور الأسد، والتي كانت تحظر “النشاط الحزبي المعارض”.
وعد الرئيس: انتخابات حرة.. لكن بعد الدستور
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعهد فيها الرئيس الشرع بإجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (الممتدة لخمس سنوات). لكن ما أثار انتباه المراقبين هو الربط بين قوانين الأحزاب والدستور الجديد. فإذا كانت قوانين الأحزاب ستقر بعد الدستور، فهذا يعني أن الأحزاب السياسية لن يكون لها وجود قانوني خلال مرحلة كتابة الدستور نفسه، وهو ما يعتبره البعض تناقضاً: كيف يُكتب دستور دولة “تعددية” دون مشاركة أحزاب؟
غياب الحياة الحزبية = عودة المادة الثامنة؟
يشير المحللون إلى أن تغريب الحياة الحزبية عن المشهد السياسي السوري، حتى لو كان مؤقتاً، يحمل مخاطر كبيرة:
عودة عقلية الحزب الواحد: التي تمثلت في دستور الأسد (المادة الثامنة) الذي كان ينص على أن “حزب البعث هو قائد المجتمع والدولة”. هذا النص جعل من أي نشاط حزبي آخر “تآمراً” يعاقب عليه القانون.
غياب المنافسة الحقيقية: أي انتخابات تجري في غياب أحزاب سياسية قانونية ستكون مجرد استفتاء على أشخاص (مستقلين)، وليست معركة برامج وأفكار.
السلطة تضع القواعد وحدها: إذا كانت السلطة الحاكمة (الإدارة السورية الجديدة) هي من ستكتب الدستور وقانون الانتخابات والأحزاب منفردة، دون مشاركة قوى سياسية أو مجتمعية، فإنها بذلك تكرر نموذج “الرب يخلق ثم يشرع”.
مطالب سورية قديمة: إلغاء المادة الثامنة
يطالب السوريون منذ ما قبل ثورة 2011، بإلغاء المادة الثامنة من دستور الأسد، التي كانت “السم” الذي قتل التعددية السياسية. وبعد سقوط النظام، كان الأمل أن تشهد سوريا انفجاراً حزبياً وتعددية حقيقية. لكن الواقع يظهر أن السلطة الجديدة لا تزال تتعامل مع السياسة كـ”شأن خاص” ، وتؤجل أي حوار جاد حول التعددية إلى ما بعد الانتهاء من صياغة الدستور.
مخاوف من الاستبداد الجديد
تزايدت المخاوف من أن تؤجل السلطة الحياة الحزبية إلى أجل غير مسمى، ليس بسبب “الظروف الأمنية” فقط، بل بسبب غياب ثقافة المشاركة لدى القيادة الجديدة. فقرارات الرئيس الشرع الأخيرة، مثل:
عقد مؤتمر حوار وطني مستعجل ومفرغ من محتواه.
ابتداع طريقة لتعيين أعضاء مجلس الشعب (البرلمان) بدلاً من انتخابه.
إقرار الإعلان الدستوري من طرف واحد دون مشاركة القوى السياسية.
كلها مؤشرات على أن المادة الثامنة لم تُلغَ، بل أعيد إنتاجها بشكل غير مباشر. فالتفرد بالحكم والإدارة، ورفض كل مخالف واعتباره “عدواً”، هو جوهر المادة الثامنة، حتى لو لم تُكتب في الدستور الجديد.
تجربة “قسد” كبديل: نموذج مختلف للتشاركية
يضرب المقال مثلاً بتجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (قسد) ، التي قدمت نموذجاً مختلفاً من التفاهمات والتشاركية في المناطق التي تسيطر عليها. فبالرغم من كل الانتقادات لتلك التجربة، إلا أنها أثبتت إمكانية إدارة مناطق متعددة الأعراق والطوائف عبر مجالس محلية وتفاهمات سياسية، بدلاً من فرض نموذج “مركزية الحكم” و”الحزب الواحد”. ويرى البعض أن سوريا ما بعد الأسد يمكنها الاستفادة من هذا النموذج لتجنب الانزلاق إلى استبداد جديد.
بين وعد الانتخابات وتأجيل الحياة الحزبية، تعيش سوريا مرحلة “اللا يقين السياسي”. فالسلطة الجديدة تريد أن تبني الدولة أولاً، ثم تترك للأحزاب مساحة للتنافس. لكن المعارضة والمجتمع المدني يخشيان من أن هذا “التأجيل” قد يكون “إلغاءً” بالتدريج. فالدستور الذي يُكتب دون مشاركة أحزاب، سيحمل حتماً بصمة السلطة الحاكمة. وقانون الانتخابات الذي تضعه السلطة وحدها، سينتج برلماناً يشبهها. السوريون الذين ضحوا بأرواحهم لإسقاط “الحزب الواحد” لن يقبلوا بسهولة بـ “استبداد جديد بوجه آخر”. المرحلة القادمة ستكون اختباراً حقيقياً: هل ستتحول سوريا إلى ديمقراطية تعددية، أم ستعيد إنتاج نفس النظام ولكن تحت مسمى “الشرع” بدلاً من “الأسد”؟
سناك سوري



