الاخبار

النفط والغاز.. يتدفقان ببطء إلى سوريا

تشهد سوريا تحركات تدريجية نحو إعادة تنشيط قطاع النفط والغاز، الذي كان أحد أهم ركائز الاقتصاد قبل أن يشلّه النزاع المستمر منذ 14 عامًا. يرى الخبراء أن هذا القطاع يمثل ثروة وطنية ضخمة قد تساهم بشكل كبير في تعافي الاقتصاد، لكنه يواجه تحديات داخلية وخارجية تعيق تقدمه وتتطلب معالجات جادة.
خطوات لإحياء القطاع

مع تغير المشهد السياسي في البلاد، بدأت جهود إعادة تفعيل قطاع النفط من خلال واردات روسية عبر البحر، واتفاقيات قيد التنفيذ مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر على حقول النفط شرقي البلاد. كما فتحت الحكومة الجديدة الباب أمام مناقصات لتوريد النفط ومشتقاته، وسط دعم عربي متزايد في هذا المجال.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، فالحرب ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية للقطاع، إذ تعرضت المنشآت للتخريب والسرقة، إلى جانب اعتماد أساليب استخراج بدائية. وقدرت الخسائر المعلنة بنحو 115.2 مليار دولار منذ عام 2011 وحتى منتصف 2023.

على صعيد الإنتاج، تراجع إنتاج سوريا من النفط من 385 ألف برميل يوميًا عام 2010 إلى ما بين 24 و34 ألف برميل يوميًا بين 2014 و2019، قبل أن يرتفع مجددًا ليصل حاليًا إلى نحو 110 آلاف برميل يوميًا، معظمها من الحقول التي تسيطر عليها “قسد”. أما إنتاج الغاز، فانخفض من 30 مليون متر مكعب يوميًا عام 2010 إلى حوالي 9.1 مليون متر مكعب يوميًا حاليًا، وهي كميات لا تكفي سوى لتغطية نصف احتياجات محطات توليد الكهرباء.
تحولات في تدفق النفط

خلال السنوات الماضية، اعتمدت سوريا بشكل أساسي على النفط الإيراني الذي كان يصل عبر البحر أو عبر الأراضي العراقية. لكن بعد سقوط النظام السابق وهروب بشار الأسد إلى موسكو، أوقفت طهران إمداداتها النفطية وطالبت الحكومة الجديدة بتسديد ديون تُقدَّر بين 30 و50 مليار دولار مقابل الإمدادات السابقة. في المقابل، هناك حديث في الأوساط الرسمية عن مطالبات سورية بتعويضات تصل إلى 300 مليار دولار نتيجة الأضرار التي تسببت بها التدخلات الإيرانية في البلاد.
تخفيف العقوبات وإنعاش الاقتصاد

مع تشكيل الحكومة الجديدة، بدأت العقوبات المفروضة على سوريا تشهد تخفيفًا تدريجيًا، مما منح الاقتصاد فرصة للتنفس. فقد علّق الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات المرتبطة بقطاع الطاقة، ورفعت بريطانيا العقوبات عن 24 كيانًا اقتصاديًا، من بينها عدة شركات نفطية سورية رئيسية.

أما الولايات المتحدة، فأصدرت ترخيصًا عامًا جديدًا (GL24) يتيح التعاملات في قطاع الطاقة داخل سوريا، بما في ذلك تجارة النفط والغاز، لفترة مبدئية مدتها ستة أشهر، قابلة للتمديد بناءً على المستجدات.
الحقول النفطية في الشرق السوري: مصير غامض

تتركز معظم حقول النفط في مناطق الشمال الشرقي تحت سيطرة “قسد”، التي تدير نحو 90% من إنتاج النفط السوري و45% من إنتاج الغاز. ومع قلة الخبرات وسوء التجهيزات، بقيت قدرات الإنتاج محدودة، ما دفع “قسد” إلى بيع النفط عبر وسطاء، سواء للاستهلاك المحلي أو للأسواق المجاورة، بما في ذلك مناطق الحكومة والمعارضة.

ومع التغيرات الأخيرة، أبرمت الحكومة اتفاقًا جديدًا مع “قسد” لاستجرار النفط، يشمل توريد 15 ألف برميل يوميًا من النفط، إضافة إلى 500 ألف إلى مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. كما تم توقيع اتفاق تاريخي يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة، بما فيها إدارة الحقول النفطية.

لكن رغم هذه الاتفاقيات، لا تزال هناك تحديات، إذ يؤكد مسؤولون في “الإدارة الذاتية” أن الحقول لم تُسلَّم رسميًا بعد، وما زالت المفاوضات جارية.
النفط الروسي.. بداية مرحلة جديدة

في خطوة أخرى لدعم قطاع الطاقة، بدأت روسيا بإرسال شحنات نفط إلى سوريا بعد تغيير القيادة السياسية، حيث وصلت أولى ناقلات النفط الروسية إلى ميناء بانياس في 20 مارس، محملة بـ 100 ألف طن من النفط الخام، تلتها شحنة ثانية في 25 مارس، مع توقع وصول ناقلة ثالثة في 3 أبريل.

ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تكون بادرة حسن نية من موسكو لتعزيز علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة، خاصة في ظل استمرار المفاوضات بين روسيا وأمريكا بشأن الملف الأوكراني، وانعكاساته على الوضع السوري.
كيف ستسدد سوريا ثمن النفط الروسي؟

لم يتم الكشف عن آلية تسديد ثمن النفط الروسي حتى الآن، لكن هناك عدة سيناريوهات محتملة، من بينها:

مقايضة النفط بالفوسفات: تمتلك سوريا احتياطات ضخمة من الفوسفات، وقد تعتمد على تصدير كميات منه لروسيا كجزء من سداد قيمة النفط، وهو أسلوب استخدمه النظام السابق مع إيران.

تمويل عبر رجال أعمال محليين: قد يتم اللجوء إلى رجال أعمال مرتبطين بالحكومة الجديدة لاستيراد النفط، كما كان يحدث سابقًا.

تسهيلات مالية روسية: من المحتمل أن تؤجل روسيا المطالبات المالية كجزء من اتفاق استراتيجي أوسع مع الحكومة السورية.

مستقبل قطاع النفط والغاز في سوريا

رغم هذه التطورات، يبقى تعافي قطاع النفط مرهونًا بتجاوز عقبات عديدة، منها تأهيل البنية التحتية، وإعادة هيكلة القطاع، وتعزيز الشفافية في الاتفاقيات الجديدة. كما أن قدرة الحكومة على السيطرة الكاملة على الموارد النفطية ستحدد مدى نجاحها في تخفيف أزمة الطاقة والحد من نقص الوقود.

في ظل هذه الظروف، يبدو أن سوريا دخلت مرحلة جديدة في إدارة مواردها، لكن ما إذا كانت هذه الخطوات ستؤدي إلى انتعاش حقيقي أم ستواجه عراقيل جديدة، فهذا ما ستكشفه الأشهر المقبلة.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى