ضابطة منقبة تُثير الجدل.. هل يتعارض النقاب مع العمل الأمني في سورية؟

شهدت المؤسسات الأمنية في سورية مؤخرًا مشهدًا غير مألوف، بعدما أثار ظهور ضابطة ترتدي النقاب خلال افتتاح معهد الشرطة النسائية في 14 آذار موجة واسعة من الجدل والتساؤلات.
ويُنظر إلى هذا التطور بوصفه مؤشرًا على تحولات لافتة في شكل وبنية الجهاز الأمني، خاصة بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد.
على امتداد عقود حكم حافظ الأسد، كان حضور الحجاب في المؤسسات الرسمية، ولا سيما الأمنية، محدودًا للغاية.
ورغم غياب قرارات معلنة، فُرضت قيود غير مباشرة دفعت كثيرًا من النساء إلى عدم ارتدائه، في سياق سياسات عامة اتسمت بالحذر من المظاهر الدينية، وربطت في بعض الأحيان بين الحجاب والانتماءات السياسية المعارضة، خصوصًا التيارات الإسلامية.
وامتدت هذه المقاربة إلى المؤسسات التعليمية، حيث سُجلت حالات لإجبار طالبات على خلع الحجاب عند دخول المدارس، وهي ممارسات استمرت حتى مطلع الألفية، ضمن توجه رسمي يسعى إلى ضبط الفضاء العام وفق رؤية أيديولوجية محددة.
في عهد بشار الأسد، بدا المشهد أقل تشددًا في الحياة العامة، إذ ازداد انتشار الحجاب في المجتمع، لكن هذا الانفتاح النسبي لم ينعكس بشكل واضح داخل الأجهزة الأمنية، التي حافظت على طابعها التقليدي، مع غياب شبه تام للنقاب ضمن الزي الرسمي.
ومع اندلاع الثورة عام 2011، تغيّرت المعادلات في بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث ظهرت نماذج مختلفة من الشرطة النسائية، خاصة في شمال البلاد، وبرزت أنماط لباس ذات طابع ديني، عكست طبيعة القوى المسيطرة هناك.
اليوم، يعيد ظهور عناصر نسائية منقبات ضمن مؤسسات أمنية رسمية طرح نقاش قديم متجدد، يتمحور حول حدود التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات الوظيفة العامة، خصوصًا في قطاعات حساسة مثل العمل الأمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على وضوح الهوية والتواصل المباشر.
في هذا السياق، يرى مؤيدو ارتداء النقاب أن الأمر يدخل في إطار الحرية الدينية والشخصية، مستشهدين بتجارب بعض الدول التي تسمح بعمل النساء المنقبات في مؤسسات عامة، مع إمكانية حصر أدوارهن في الوظائف غير الميدانية أو الإدارية.
في المقابل، يركز المعارضون على الطبيعة الخاصة للعمل الأمني، حيث يُعد إظهار الوجه جزءًا أساسيًا من التحقق من الهوية وتعزيز الثقة، محذرين من أن إخفاء الملامح قد يفتح الباب أمام مشكلات تتعلق بالمساءلة أو حتى انتحال الصفة.
وتتباين الآراء الشعبية حول هذه المسألة؛ فهناك من يعتبر أن إخفاء هوية رجل الأمن أو المرأة الأمنية يتعارض مع متطلبات العمل المهني، بينما يرى آخرون أن طبيعة الوظيفة هي العامل الحاسم، بحيث يمكن التمييز بين المهام الميدانية التي تتطلب كشف الوجه، والأعمال المكتبية التي قد تسمح بهوامش أوسع.
من الناحية التنظيمية، لا يوجد في سورية نص قانوني واضح ومعلن يحدد تفاصيل الزي الرسمي داخل الأجهزة الأمنية، لكن العمل يجري وفق تعليمات داخلية تحدد شكل اللباس.
ووفق شهادات بعض المنشقين، فإن هذه التعليمات كانت تمنع سابقًا ارتداء النقاب بشكل صريح داخل الجيش والشرطة، نظرًا لاعتباره غير متوافق مع طبيعة العمل.
على الصعيد القانوني، يُعد ارتداء النقاب جزءًا من حرية الدين والمعتقد، وهي حرية مكفولة في المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ يمكن تقييدها بشروط محددة، أبرزها أن يكون التقييد منصوصًا عليه قانونًا، ويهدف إلى حماية مصلحة مشروعة، كالأمن أو النظام العام، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا.
وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع مسألة النقاب في الوظائف العامة لا يتم بمنطق المنع المطلق أو السماح المطلق، بل وفق معايير ترتبط بطبيعة كل وظيفة.
فكلما كانت الوظيفة تتطلب تفاعلًا مباشرًا مع الجمهور أو ترتبط بسلطة تنفيذية، زادت مبررات فرض قيود على إخفاء الوجه.
كما يبرز مبدأ المساواة كعنصر أساسي في هذا النقاش، خاصة عند المقارنة بين منع اللثام للرجال والسماح بالنقاب للنساء.
إذ يفترض القانون تطبيق معايير موحدة على الجميع، بحيث يكون المعيار هو متطلبات الوظيفة نفسها، لا الاعتبارات الشخصية أو التمييزية.
وتشير تجارب دولية إلى تباين في التعامل مع هذه القضية؛ فبعض الدول تتبنى نهجًا صارمًا يفرض قيودًا واسعة على الرموز الدينية داخل الوظائف العامة، بينما تعتمد دول أخرى مقاربة أكثر مرونة، تقوم على السماح بالمظاهر الدينية ما دامت لا تعيق أداء المهام بشكل جوهري.
في المحصلة، يبقى الجدل قائمًا بين اتجاهين: الأول يعطي الأولوية للحرية الفردية، والثاني يضع متطلبات الوظيفة في المقدمة.
وبين هذين المسارين، يبرز الحل في إيجاد توازن عملي يراعي خصوصية العمل الأمني، دون المساس غير المبرر بالحقوق الأساسية.
تلفزيون سوريا



