حشود سورية على الحدود اللبنانية: هل تستعد دمشق لمحاربة “حزب الله”؟

في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع والحرب الدائرة في المنطقة، تثير تحركات عسكرية سورية مكثفة على الحدود مع لبنان والعراق تساؤلات واسعة حول أهداف دمشق الحقيقية. بينما تؤكد مصادر رسمية أن الهدف هو تأمين الحدود ومنع التهريب، يرى محللون أن السيناريوهات المطروحة قد تكون أكثر تعقيداً، ولا تستبعد توغلاً محدوداً داخل الأراضي اللبنانية.

منذ سقوط نظام بشار الأسد وتولي الرئيس أحمد الشرع قيادة سوريا، حرصت دمشق على إعلان مقاربة جديدة تجاه جيرانها، مؤكدة أن “عهد التدخل السوري في شأن لبنان الداخلي ولى”. لكن التطورات الدراماتيكية الأخيرة، بدءاً بالحرب على إيران وصولاً إلى تورط “حزب الله” فيها، فرضت واقعاً جديداً على الحدود الشرقية للبنان، حيث تنتشر مجموعات مسلحة موالية لطهران كانت تقاتل سابقاً إلى جانب النظام السابق.
رواية رسمية: دفاع عن السيادة وضبط للحدود
مصادر رسمية في وزارة الدفاع السورية أوضحت لـ”اندبندنت عربية” أن نشر وحدات الجيش على الحدود مع لبنان والعراق يأتي في إطار “إجراءات دفاعية احترازية” تهدف إلى:
ضبط الحدود وتعزيز الأمن في ظل التطورات الإقليمية.
التصدي لمحاولات التهريب النشطة (أسلحة، مخدرات) التي استغلت الحدود لسنوات.
حماية القرى والبلدات السورية الحدودية من أي نشاطات مشبوهة أو مجموعات خارجة عن القانون.
وأكدت المصادر أن هذه الخطوة ذات طابع سيادي وتنظيمي بحت، ولا تستهدف أي دولة أو جهة بعينها، وهي تهدف أيضاً إلى طمأنة الأهالي في المناطق الحدودية.
تحليلات: 40 ألف جندي وسيناريو التوغل المحدود
بالمقابل، يقدم المحلل السياسي اللبناني نضال السبع قراءة مختلفة. ويقدر السبع أن عدد القوات السورية المرسلة إلى الحدود خلال الأسابيع الثلاثة الماضية يبلغ نحو 40 ألف عسكري. ويشير إلى أن مهمتها الأساس هي تأمين الشريط الحدودي ومنع التسلل، لكنه لا يستبعد سيناريو إضافياً في حال ظهور تهديدات من “حزب الله” أو فلول النظام السابق.
ويقول السبع: “إذا تعرضت الحدود لأي تهديد، فقد يتخذ الجيش السوري خطوة إضافية تتمثل في التوغل داخل الأراضي اللبنانية… توغل محدود النطاق قد يراوح ما بين 15 إلى 20 كيلومتراً فقط، بهدف تأمين الحدود ومنع أي اختراقات أمنية”. ويرجح المحلل اللبناني أن أي تحرك عسكري سوري داخل لبنان لن يكون منفرداً، بل قد يحظى بدعم عربي وأمريكي، كجزء من تفاهمات إقليمية أوسع.
من جانبه، يرى المتخصص العسكري العميد عبدالله الأسعد أن الحشود هي “تدبير احترازي طبيعي”، خاصة أن الميليشيات الموالية لإيران (“حزب الله” وغيرها) كانت تسيطر على مناطق واسعة في سوريا وتعلم مداخل ومخارج الحدود جيداً. ويؤكد الأسعد أنه لا توجد نية سورية للقيام بعمل عسكري داخل لبنان، مشدداً على أن “حزب الله” اليوم في حالة ضعف لا تسمح له بالمغامرة بالدخول إلى الأراضي السورية.
تغير المشهد الإقليمي وسوريا الجديدة
يتزامن هذا الحراك العسكري مع تحولات كبرى في موازين القوى. فـ”حزب الله” الذي كان يتمتع بشعبية واسعة في سوريا قبل عام 2011، فقد هذه المكانة بعد إرساله آلاف المقاتلين لدعم نظام الأسد. ومع سقوط هذا النظام، تبدو دمشق الجديدة مصممة على عدم تكرار تجارب الماضي، والتركيز على إعادة الإعمار، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، شرط عدم التدخل في الشأن السوري.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تبقى هذه الحشود في إطار الدفاع عن الحدود، أم أنها مقدمة لتحرك أوسع يعيد رسم قواعد اللعبة على الحدود الشرقية للبنان؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
انديندنت عربية



