اخبار ساخنة

مفاجأة عن “الثالوث المظلم” تكشفها الشيخوخة

لفترة طويلة، ساد اعتقاد شائع بأن شخصية الإنسان تتشكل في مرحلة الشباب وتستقر عند بلوغه الثلاثينيات من العمر. لكن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف قصة مختلفة تماماً: الشخصية ليست كتلة صلبة، بل هي كيان حي يتغير ويتطور باستمرار طوال رحلة العمر، حاملاً معه مفاجآت إيجابية في العقود الأخيرة من الحياة.

فبينما نعتاد جميعاً على فكرة التدهور الجسدي المصاحب للشيخوخة – من فقدان الجلد لمرونته إلى تراجع الطول وانحسار اللثة – يكشف العلم عن تغيير آخر أكثر غموضاً وأكثر إشراقاً يحدث في أعماقنا. وفقاً لتقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) نقلاً عن علماء نفس، فإن التعديل التدريجي لشخصية الإنسان مع التقدم في العمر له جوانب إيجابية مذهلة.

“نضج الشخصية”: تحول عالمي نحو الأفضل
يصف علماء النفس هذه الظاهرة باسم “نضج الشخصية” (Personality Maturation)، وهي عملية تغير تدريجي وغير محسوس تبدأ في سنوات المراهقة وتستمر حتى العقد الثامن من العمر على الأقل. والأكثر إثارة للاهتمام هو أن هذا الاتجاه يبدو عالمياً، حيث لوحظ في جميع الثقافات البشرية التي تمت دراستها، من غواتيمالا إلى الهند، مما يشير إلى أنه جزء أصيل من التجربة الإنسانية.

يقول عالم النفس البارز في جامعة إدنبرة، رينيه موتوس: “الخلاصة هي بالضبط أن الشخص لا يبقى هو نفسه طوال حياته”. فخلافاً للاعتقاد القديم بثبات السمات الشخصية، يثبت العلم الحديث أن هذه السمات مرنة وقابلة للتغيير باستمرار.

كيف تصبح في السبعين؟ أكثر لطفاً وأقل توتراً
بحلول الوقت الذي يصل فيه المرء إلى السبعينيات والثمانينيات من عمره، يكون قد مر بتحول كبير في شخصيته. وأبرز ملامح هذا التحول هي:

انخفاض “الثالوث المظلم”: تميل مستويات السمات المعروفة باسم “الثالوث المظلم” (الميكافيلية، النرجسية، والاعتلال النفسي) إلى الانخفاض بشكل ملحوظ. هذا يعني تراجعاً في السلوكيات المعادية للمجتمع والأنانية، وانخفاضاً في خطر الانخراط في أعمال كالجريمة.

زيادة اللطف والضمير: يصبح الأشخاص في هذه المرحلة العمرية أكثر لطفاً وتعاوناً، وأكثر ضميراً والتزاماً، وأقل عصبية وتوتراً.

الإيثار والثقة: تتطور الشخصية لتصبح أكثر إيثاراً وثقة بالآخرين. تزداد الإرادة الإيجابية ويتطور حس فكاهة أفضل.

تحكم عاطفي أكبر: يتمتع كبار السن بقدرة أكبر على التحكم في عواطفهم وإدارة ردود أفعالهم، مما يجعلهم أكثر تكيفاً اجتماعياً.

ويضيف البروفيسور موتوس موضحاً: “الناس يصبحون أكثر لطفاً وأكثر تكيفاً اجتماعياً. يصبحون قادرين بشكل متزايد على تحقيق التوازن بين توقعاتهم الشخصية من الحياة ومتطلبات المجتمع”.

هذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الصورة النمطية الراسخة عن كبار السن بأنهم أشخاص عابسون ومتذمرون تحتاج إلى مراجعة علمية شاملة.

الشخصية مفتاح الصحة في الكبر
لكن فوائد هذا النضج الشخصي لا تتوقف عند تحسين السلوك الاجتماعي فقط. فقد وجد العلماء أن سمات الشخصية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة مع التقدم في العمر.

ضبط النفس وصحة أفضل: الأشخاص ذوو القدرة العالية على ضبط النفس يتمتعون بصحة أفضل في مراحل حياتهم المتقدمة.

العصبية ومخاطر صحية: النساء ذوات المستويات العالية من العصبية (التقلب العاطفي) يكن أكثر عرضة للإصابة بأعراض حادة لانقطاع الطمث. كما أن انخفاض الاستقرار العاطفي يرتبط عموماً بمشاكل الصحة النفسية وارتفاع معدلات الوفيات والطلاق.

النرجسية والوحدة: في مفارقة مثيرة، ارتبطت درجة معتدلة من النرجسية بانخفاض معدلات الشعور بالوحدة، والتي تعتبر في حد ذاتها عامل خطر رئيسي للوفاة المبكرة.

تقول عالمة النفس الاجتماعي في جامعة هيوستن، روديكا داميان: “عموماً، من المثير للجدل إصدار أحكام قيمية على هذه التغيرات الشخصية. لكن في الوقت نفسه، يوجد أدلة قوية على أنها مفيدة”.

مستقبل واعد: التنبؤ بالمخاطر الصحية
يفتح هذا الفهم الجديد آفاقاً واعدة في مجال الرعاية الصحية. ففي المستقبل، يمكن أن يساعد فهم كيفية ارتباط سمات شخصية معينة بالصحة، وكيف يُتوقع أن تتطور شخصية الفرد على مدار حياته، في التنبؤ بمن هم الأكثر عرضة لمشاكل صحية معينة. هذا بدوره يتيح إمكانية التدخل المبكر وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي المناسب لمن يحتاجونه، قبل فوات الأوان.

الخلاصة أن التقدم في العمر، رغم تحدياته الجسدية، يحمل معه هدية ثمينة تتمثل في نضج الشخصية. إنه تحول تدريجي نحو الهدوء، واللطف، والحكمة، والتكيف الاجتماعي، مما يجعل السنوات الأخيرة من الحياة ربما الأكثر استقراراً وصفاءً.

العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى