“الذئاب المنفردة”.. هل تتحرك الذراع الخفية لإيران في عمق أوروبا؟

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، وما خلفه من صدمة داخل إيران إثر اغتيال قيادات كبار على رأسهم المرشد علي خامنئي، بدأت دوائر أمنية وسياسية أوروبية تتوجس من احتمال انتقال شرارة هذا الصراع إلى عمق القارة العجوز. ووفق تحليلات متخصصة، فإن هذا التوجس لا ينبع من فراغ، بل من وجود بنية تحتية بشرية للحرس الثوري الإيراني داخل عدة دول أوروبية، قد تتحول إلى خلايا نائمة أو “ذئاب منفردة” تنفذ عمليات انتقامية.
الخطر الأمني: “الذئاب المنفردة” بين التقدير الذاتي والتوجيه الخفي
يقول الباحث في الشأن الأوروبي، عمران منصور، إن الاغتيالات التي طالت 44 قيادياً إيرانياً، وفي مقدمتهم خامنئي، أحدثت حالة من “الفوضى النوعية” في صفوف القيادة. هذا الفراغ يجعل من المتوقع أن يبادر بعض عناصر الحرس الثوري المتواجدين في أوروبا (خاصة في ألمانيا والنمسا والسويد) إلى تنفيذ عمليات منفردة ضد مصالح أمريكية أو إسرائيلية. ويصف منصور هذا السيناريو بأنه تجسيد لمصطلح “الذئاب المنفردة”، حيث لا تخضع هذه العمليات بالضرورة لتنسيق مركزي مع القيادة في طهران المنشغلة بترتيب أوضاعها الداخلية، لكنها تأتي بدافع انتقامي شخصي أو فصائلي.
من جانبه، يرى الباحث في العلاقات الدولية، إبراهيم مراد، أن الفكرة أكثر تعقيداً. ويؤكد أن خلايا الحرس الثوري منتشرة بالفعل في كبرى العواصم الأوروبية، إلا أنه يستبعد أن تكون أي عملية من هذا النوع “بمعزل عن المسؤولين في طهران”. ويشير إلى أن أي تحرك بهذا الحجم سيعكس “قراراً مؤسسياً” من السلطة الإيرانية التي يعد الحرس الثوري أداتها التنفيذية الأقوى، حتى لو بدا التنفيذ فردياً. وبالتالي، فإنه يحمل في طياته تهديداً باستقرار دول بأكملها.
البعد الدبلوماسي والسياسي: أوروبا بين التفرج وحافة الاشتباك
تكشف التحليلات عن مفارقة لافتة في الموقف الأوروبي. فمنذ اللحظة الأولى للحرب، رفعت الدول الأوروبية مستوى التأمين والجاهزية، مدركة أن بيئة الحرس الثوري الأمنية في أوروبا معقدة ويصعب اختراقها بالكامل. ومع ذلك، يبدو أن القارة العجوز كانت “شبه متفرجة” ولم تُخطَر مسبقاً بالحجم الكامل للضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أشعلت المنطقة.
ويحذر الباحث مراد من أن أي عملية عدائية على الأراضي الأوروبية، حتى لو كانت محدودة، ستعني “نهاية الوجود الدبلوماطي والاقتصادي لإيران بشكل كامل هناك”. والأخطر من ذلك، أنها قد تدفع بعض الدول الأوروبية إلى التدخل المباشر في المواجهة العسكرية مع إيران، عبر الانضمام إلى عمليات جوية قاصمة أو تدمير مقرات التنظيم في الداخل الإيراني. هذا السيناريو سيجعل أوروبا، التي وقفت حتى الآن على هامش الحرب، طرفاً أساسياً فيها.
إيران بين خيارين: حرب ممتدة أم انكفاء نحو الحوار؟
يرى المحللون أن طهران تواجه معضلة كبرى. فمن جهة، تمتلك تاريخاً طويلاً في الاغتيالات خارج الحدود (منذ الثمانينات وحتى السنوات الأخيرة) كأداة للمناكفة ورد الاعتبار. ومن جهة أخرى، فإن التحرك في العمق الأوروبي اليوم، في ظل الحرب المفتوحة واغتيال القيادة، قد يكون بمثابة “القشة التي تقصم ظهر” أي فرصة للحل الدبلوماسي.
الانطباع السائد هو أن إيران “لا تمتلك رفاهية الاختيار” بين الحرب طويلة الأمد أو الاستسلام. وبينما تميل القيادة الإيرانية في تقدير بعض المحللين إلى إنهاء هذه الحرب والانتقال إلى التفاوض، فإن الفوضى الداخلية والرغبة في الثأر قد تدفع باتجاه الخيار الآخر. وبالتالي، فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كانت “الذئاب المنفردة” ستبقى مجرد سيناريو أمني للتوجس، أم ستتحول إلى واقع دموي يغير قواعد اللعبة.
أوروبا تواجه اختباراً حقيقياً لقدرتها على حماية أراضيها من امتداد صراع إقليمي شرس، في وقت تبدو فيه طهران مشتتة بين الانتقام الفوضوي وقراءة معادلات ما بعد الصدمة.
إرم نيوز



