الاخبار

سلاح أمريكا السري الذي عطل دفاعات إيران

بينما كانت الصواريخ تعبر أجواء الشرق الأوسط، كانت حرب أخرى أكثر هدوءاً لكنها لا تقل شراسة تدور في الفضاء السيبراني، لكن المفاجأة أن واشنطن اختارت هذه المرة أن تخوض معركتها الرقمية على مرأى ومسمع من العالم كله.

في صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انطلاق “عمليات قتالية كبرى” ضد إيران تحت اسم “الغضب الملحمي”، بينما أطلقت إسرائيل عملية موازية أسمتها “زئير الأسد”. تزامن الإعلان مع انفجارات عنيفة هزت طهران وأصفهان وقم وكرمنشاه وكرج، استهدفت مراكز القيادة والسيطرة الإيرانية، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة.

لكن بعيداً عن صخب الطائرات وزئير الصواريخ، كان هناك مشهد آخر يتكشف بهدوء. وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية مثل “إيرنا” و”إيسنا” و”مهر” تعرضت لهجمات سيبرانية عنيفة أوقفت خدماتها بالكامل. منظمة “نت بلوكس” رصدت انخفاض الاتصال بالإنترنت في إيران إلى 4% فقط من مستواه الطبيعي. وفي الوقت نفسه، أطلق الموساد قناة على تيليغرام باللغة الفارسية ليخاطب الإيرانيين مباشرة، بينما كانت قنواتهم الرسمية مشلولة تماماً.

لم تكن الهجمات السيبرانية مجرد عملية دعم ثانوية للضربات العسكرية، بل كانت شريكاً استراتيجياً متكاملاً في معركة واحدة هدفها شل قدرة النظام الإيراني على التواصل مع جمهوره والتحكم في السردية الإعلامية منذ اللحظات الأولى.

من الظل إلى الضوء: انقلاب في العقيدة السيبرانية الأمريكية
ما حدث في الأسابيع التي سبقت الهجوم يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الحرب السيبرانية. فعلى مدار تاريخها القصير، قامت هذه الحرب على مبدأ أساسي: السرية المطلقة. قوة السلاح السيبراني كانت تكمن في أن الخصم لا يعرف أنك موجود داخل أنظمته، ولا يعرف مدى قدراتك، ولا يعرف متى وكيف ستهاجم.

فيروس “ستوكسنت” الشهير، الذي يعد أول سلاح سيبراني في التاريخ، ظل يعمل سراً داخل أجهزة الطرد المركزي الإيرانية منذ عام 2007، ولم يُكتشف إلا عام 2010. وحتى بعد اكتشافه، استمرت الولايات المتحدة وإسرائيل سنوات في نفي مسؤوليتهما عنه. وحين هاجمت القيادة السيبرانية الأمريكية منصات صواريخ الحرس الثوري عام 2019، وصل الخبر إلى العالم عبر تسريبات صحفية، دون أي تأكيد رسمي.

لكن عام 2026 شهد انقلاباً كاملاً في هذه القواعد.

الإعلان عن القدرات قبل المعركة: سابقة تاريخية
قبل أيام فقط من الهجوم على إيران، وتحديداً في 19 فبراير/شباط، نشر معهد الخدمات المتحدة الملكي (RUSI) البريطاني، أحد أعرق مراكز الأبحاث الدفاعية، تحليلاً مطولاً بعنوان “سيطرة، بديل، تأثير: احتمالات العمليات السيبرانية الأمريكية في إيران”. الرسم البياني الذي نشره المعهد كان بمثابة خريطة تفصيلية لأهداف السيبراني الأمريكي: رادارات الإنذار المبكر، منظومات الدفاع الجوي، شبكات القيادة والسيطرة، اتصالات الحرس الثوري.

الباحثة بريرانا جوشي كتبت بوضوح: “السؤال لم يعد هل ستشارك العمليات السيبرانية الهجومية، بل كيف ستشارك ولأي هدف؟”. هذا النوع من الإفصاح العلني عن نوايا هجومية وقوائم أهداف كان غير مسبوق تماماً في تاريخ الحروب السيبرانية.

اللافت أن الإدارة الأمريكية بدأت تمهيد الطريق لهذا التحول قبل أسابيع. ففي 3 يناير/كانون الثاني 2026، وأثناء عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قال ترامب في مؤتمر صحفي: “أضواء كراكاس أُطفئت إلى حد كبير بفضل خبرة معينة نمتلكها”. وكان يشير بوضوح إلى عمليات سيبرانية.

ثم في 28 يناير/كانون الثاني، جلس الجنرال ويليام هارتمان، القائد بالإنابة للقيادة السيبرانية الأمريكية، أمام لجنة في مجلس الشيوخ، وأعلن صراحة أن العمليات السيبرانية الهجومية ستنفذ بـ”أسلوب مستدام وقابل للتكرار”، وستكون “في مقدمة” العمليات العسكرية.

رسالة إلى طهران: كسر قاعدة الصمت
لحظة الذروة في هذا التحول جاءت في 4 فبراير/شباط 2026، حين كشفت منصة “ريكورديد فيوتشر نيوز” أن القيادة السيبرانية الأمريكية كانت وراء تعطيل منظومات الدفاع الجوي الإيراني خلال عملية “مطرقة منتصف الليل” في يونيو/حزيران 2025. المفاجأة لم تكن في الكشف نفسه، بل في رد الفعل الرسمي. فبدلاً من النفي أو التهرب، أصدرت القيادة السيبرانية بياناً قالت فيه: “نحن فخورون بدعم عملية مطرقة منتصف الليل، ومجهزون بالكامل لتنفيذ أوامر القائد الأعلى في أي وقت وأي مكان”.

بمقارنة بسيطة: عملية “ستوكسنت” استغرقت سنوات حتى تم تسريب تفاصيلها، ولم تعترف بها واشنطن رسمياً حتى اليوم. أما الآن، فالتصريح علني وصريح ومباشر.

التوقيت لم يكن مصادفة بالطبع. فقبل يوم واحد فقط من هذا الإعلان، حاولت زوارق حرس ثوري إيراني اعتراض ناقلة نفط أمريكية في مضيق هرمز، وأسقطت مقاتلة “إف-35” أمريكية مسيرة إيرانية. كانت المواجهة المباشرة الأولى بين القوتين. الرسالة الأمريكية إلى طهران كانت واضحة: “كنا داخل منظومات دفاعكم قبل أشهر، ونستطيع تكرار ذلك متى شئنا”.

لماذا كشفت أمريكا عن أوراقها؟ الردع السيبراني يعيد تعريف نفسه
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تخلت واشنطن عن مبدأ السرية الذي شكل العمود الفقري للحرب السيبرانية لعقد ونصف؟

الخبيرة جاكلين شنايدر من جامعة ستانفورد، وهي ضابطة احتياط في القيادة السيبرانية نفسها، أمضت سنوات تدرس الردع السيبراني. خلاصة أبحاثها أن “الهجمات السيبرانية ليست رادعاً فعالاً، سواء لردع هجمات سيبرانية أخرى أو لردع هجمات تقليدية”. السبب أن تأثيراتها ليست بالدرجة الأولى من حيث الإدراك الجماهيري، فلا ينظر إليها بالخطورة ذاتها التي ينظر بها إلى التهديدات العسكرية التقليدية.

إذاً، ما الذي دفع واشنطن إلى هذا التحول الجذري؟

التحليل يشير إلى عدة أهداف:

أولاً: طمأنة الحلفاء. إظهار القدرات السيبرانية الهائلة يعزز ثقة حلفاء واشنطن في المنطقة بأنها قادرة على حمايتهم بوسائل غير تقليدية.

ثانياً: تبرير الميزانيات. الإعلان العلني عن نجاحات السيبراني يسهل على الكونغرس تمرير ميزانيات ضخمة لهذا القطاع الحيوي.

ثالثاً: تمهيد الرأي العام. عندما تعلن الحكومة مسبقاً عن قدراتها، فإنها تعد الجمهور لقبول استخدامها الفعلي لاحقاً.

رابعاً: تقويض ثقة الخصم. وهذه ربما تكون النتيجة الأكثر استراتيجية. حين يعرف القائد الإيراني أن دفاعاته الجوية اخترقت سابقاً، وأن العدو يعلن ذلك علناً، فإن كل منظومة يبنيها بعد ذلك ستحمل شكاً مدمجاً: هل هذه المنظومة آمنة حقاً؟ أم أن الأمريكيين بداخلها أيضاً؟

معادلة جديدة: عندما يصبح الإعلان عن السلاح سلاحاً بحد ذاته
في المجال النووي، تكفي صورة واحدة لرأس حربي لردع الخصم. أما في المجال السيبراني، فالصورة نفسها كانت تبطل مفعول السلاح وتخرجه من المعادلة. هذا كان القانون غير المكتوب لعقود.

لكن ما يحدث اليوم في المواجهة الأمريكية الإيرانية يعيد كتابة هذا القانون من جديد. فالإدارة الأمريكية اختارت أن تحول السيبراني من سلاح يعمل في الظل إلى أداة دعائية استراتيجية تخدم أهدافها في الحرب النفسية والإعلامية.

الرسالة الأمريكية إلى طهران لم تكن فقط: “نحن أقوى منكم”. بل كانت: “نحن قادرون على إخباركم بمدى ضعفكم قبل أن نضربكم، وهذا لن يغير شيئاً”.

يبقى السؤال المفتوح: هل سينجح هذا النهج الجديد في تحقيق أهدافه، أم أن إيران ستتمكن من تطوير دفاعاتها وطرق مواجهتها؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى