بعد أن وضع نفسه في عهدة حكومة الشرع.. ما هو مصير “أحمد العودة”

في تطور دراماتيكي يغلق فصلاً طويلاً من الغموض في المشهد السوري، سلّم القيادي البارز في الجنوب السوري أحمد العودة، المعروف إعلامياً بـ”رجل روسيا” و”مهندس التسويات” في زمن النظام المخلوع، نفسه إلى السلطات السورية. هذه الخطوة وضعت حداً لتكهنات استمرت شهوراً حول مصيره، بعد حل تشكيله العسكري “اللواء الثامن” واختفائه عن الأنظار.
وجاء قرار العودة الحاسم على وقع حادثة دامية هزّت مدينة بصرى الشام، مسقط رأسه، لتقلب المشهد الجنوبي المعقد رأساً على عقب.
تسليم تحت مظلة الدولة
أعلن العودة، في شريط مصور بثته وسائل إعلام محلية الأحد، وضعه نفسه ومصيره تحت تصرف الرئيس أحمد الشرع ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة. وجاء هذا الإعلان على خلفية توتر أمني خطير في بصرى الشام، راح ضحيته شخص وأصيب آخر في اشتباك مسلح بين حراس المزرعة التي يقيم فيها العودة ومهاجمين مجهولين. الحادثة استدعت تدخل قوات الأمن الداخلي في درعا، التي فرضت حظر تجوال ليوم واحد لاحتواء الموقف.
https://twitter.com/i/status/2025561486047777238
أوضح العودة في تصريحه أن “حادثة بصرى الشام استُخدمت للتحريض ضدي، فكان لزاماً أن أضع لها حداً عن طريق الدولة”، في إشارة واضحة إلى محاولة استغلال الحادثة لتصويره كطرف خارج عن القانون.
محاولة اغتيال وتورط حزب الله؟
كشف العودة النقاب عن تفاصيل مثيرة حول ملابسات الحادثة، مؤكداً تعرضه “لمحاولة اغتيال قبل أيام على يد مجموعة مدعومة من حزب الله”. وزعم أن بحوزته صوراً ومقاطع فيديو توثق تورط هذه المجموعة، مع دلائل على تمويل بعض الأشخاص العاملين لصالح الحزب اللبناني. وأعلن عزمه “كشف الحقائق للرأي العام”، داعياً إلى فتح تحقيق شفاف لكشف ملابسات الحادثة ومحاسبة المتورطين، في محاولة لقلب الطاولة على من يسعى لتصفيته.
هدوء حذر ونقل إلى دمشق
عاد الهدوء الحذر إلى بصرى الشام مع انتشار وحدات الأمن الداخلي في أحياء المدينة. لكن التحول الأبرز تمثل في إعلان مديرية الإعلام بدرعا، مساء الأحد، أن الشرطة العسكرية باشرت نقل العودة إلى العاصمة دمشق، لوضعه تحت تصرف القضاء العسكري على خلفية “مقتل عنصر من الجيش السوري في مدينة بصرى الشام”. هذه الصياغة الرسمية تربط الحادثة الأخيرة بمقتل عنصر أمني، وتضع العودة في دائرة المساءلة القضائية المباشرة.
خاتمة متأخرة لمسار غامض

يبدو هذا المصير الجديد للعودة وكأنه خاتمة متأخرة لمسار بدأ قبل أشهر، حين أعلن الرجل في أبريل 2025 حلّ “اللواء الثامن” بشكل كامل وتسليم مقدراته العسكرية والبشرية إلى وزارة الدفاع بالحكومة السورية الانتقالية. وجاء ذلك بعد توترات أمنية دامية على خلفية مقتل القيادي بلال الدروبي أثناء محاولة اعتقاله من قبل اللواء، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة.
التزم العودة آنذاك بسيادة الدولة وسلطتها، وفق بيان حل اللواء، ثم توارى عن المشهد، تاركاً التكهنات حول مستقبله مفتوحة على كل الاحتمالات.
من قاتل النظام إلى حليف روسيا.. مسار معقد
يحمل أحمد العودة، خريج الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق والعائد من الإمارات مع اندلاع الثورة السورية، سيرة ذاتية معقدة تختزل تناقضات المشهد السوري برمته. فبعد أن قاد “كتيبة شباب السنة” في الجيش السوري الحر وقاتل نظام الأسد في الجنوب، تحوّل لاحقاً إلى أحد أبرز وجوه التسويات التي رعتها روسيا صيف 2018. التحق بـ”الفيلق الخامس” المدعوم روسياً، ليصبح “رجل موسكو” في المنطقة الجنوبية.
ومع لحظة سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، كانت قواته أول الداخلين إلى دمشق فجر ذلك اليوم، متقدمة على قوات “إدارة العمليات العسكرية”، في مشهد فُسر بأنه محاولة لاقتناص دور في المرحلة الانتقالية.
ورغم لقائه بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بعد أيام قليلة من سقوط النظام، إلا أن “اللواء الثامن” ظل خارج هيكلية وزارة الدفاع الجديدة. هذا الوضع خلق حالة من الغموض حول مستقبله، إلى أن جاء قرار الحل وتسليم المقدرات ليبدد شيئاً من هذا الغموض. لكن تواريه عن الأنظار وعدم ظهوره منذ ذلك الحين، باستثناء هذا الشريط المصور، أبقى علامات استفهام كبيرة حول مصيره الحقيقي.
الرقم الصعب في الجنوب يواجه اختبار العدالة
اليوم، يقف أحمد العودة أمام القضاء العسكري، في اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة السورية الجديدة على ضبط الفصائل السابقة ودمجها في مؤسساتها. الرجل الذي لُقب بـ”مهندس التسويات” في زمن النظام المخلوع، أصبح بحاجة إلى تسوية جديدة مع دولة ما بعد الأسد. فهل تنجح هذه التسوية حيث فشلت سابقاتها؟ وهل يكون القضاء السوري هو الفيصل في قصة رجل جمع بين متناقضات الثورة والنظام والغموض؟
الحل نت



