الاخبار

السويداء.. ترتيبات جديدة تلوح في الأفق

في خضم التحولات المتسارعة التي تعصف بمحافظة السويداء، وتزايد التباين بين قياداتها الدينية والاجتماعية، برزت تطورات دراماتيكية تعيد رسم المشهد السياسي في جبل العرب. إعلان أمير دار عرى، حسن الأطرش، خروجه من السويداء متوجهاً إلى دمشق “حقناً للدماء ومنعاً لفتنة داخلية”، فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل المحافظة التي باتت على مفترق طرق حاسم.

خروج في توقيت دال

لم يكن خروج الأطرش مجرد خطوة شخصية عابرة، بل حمل في طياته رسائل سياسية متعددة الطبقات. ففي الوقت الذي شدد فيه على تمسكه بوحدة سوريا ورفضه أي مسار انفصالي، كانت دعوات الشيخ حكمت الهجري تتصاعد في السويداء، متحدثة عن خيارات سياسية خارج الإطار المركزي، بل وطرح أفكار مرتبطة بطلب دعم خارجي.

يقول الكاتب السياسي درويش خليفة إن موقف الأطرش يعكس نزوعاً واضحاً لعدم الاصطفاف خلف قوى فصائلية قد تقود إلى تعميق الانقسام داخل البيت الدرزي السوري. ويرى أن المشهد المحلي في السويداء يعيش حالة إعادة تشكل بعد تراجع مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” شرقي سوريا، وهو تراجع أضعف بيئة المناورة السياسية أمام التيارات ذات السقف المرتفع، وفي مقدمها التيار المرتبط بالهجري وما يُعرف بـ”الحرس الوطني”.

نمط متكرر.. استقطاب القيادات قبل الحسم الميداني

الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن، عمار جلو، يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن خروج الأطرش يندرج ضمن نمط سبق أن اتبعته الحكومة السورية في شمال شرقي سوريا. فقبل الاشتباكات التي انطلقت من الشيخ مقصود والأشرفية في يناير الماضي، جرى استقطاب شخصيات عشائرية، تلاه وصول القوات الحكومية إلى مختلف النقاط في تلك المنطقة.

ويرى جلو أن الحكومة تتبع الأسلوب ذاته في السويداء، عبر استقطاب شخصيات قيادية تمهيداً لخلق مدخل لدخول حكومة دمشق، سواء عسكرياً أو أمنياً أو رسمياً. ويتمتع الأطرش بوزن رمزي استثنائي، باعتباره حفيد سلطان الأطرش، زعيم الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي.

ويضيف جلو أن هذه الخطوة قد تتبعها تحركات أخرى من شخصيات مختلفة، خاصة مع تراجع نفوذ الشيخ الهجري يوماً بعد يوم، معتبراً أن هذا السياق يشكل التفسير الأبرز لخروج الأمير حسن، سواء ارتبط الأمر بمسألة حقن الدماء أم لا.

ضغط معنوي على الهجري

في المقابل، يبرز موقف الشيخ حكمت الهجري الداعي إلى خيارات سياسية مغايرة، مما يثير تساؤلات حول تأثير موقف الأطرش وتوقيته. يعتقد خليفة أن توقيت الخروج يبدو دالاً بذاته، إذ جاء في لحظة استقطاب حاد تتضاءل فيها هوامش التموضع الوسطي. فالأطرش، بوصفه شخصية ذات رمزية تاريخية، يفتقر إلى ظهير عسكري يمكّنه من فرض موقع مستقل في معادلة يغلب عليها منطق السلاح، مما جعله عرضة لضغوط فصائلية تسعى لاستثمار رمزيته.

ويشكل خروجه ضغطاً معنوياً على الشيخ الهجري والقوى الفصائلية المتحالفة معه، إذ يضع سؤال التمثيل والمسؤولية الوطنية في الواجهة. يوافقه جلو الرأي، مشيراً إلى أن تيار الهجري والمجلس العسكري مارسا سابقاً ما يدعم ادعاءات حسن الأطرش بشأن التورط في الدماء، خاصة في حادثة اعتقال شخصيات قُتلت في اليوم التالي، في سابقة وصفت باللافتة والمؤثرة.

اقتراب دخول القوات الحكومية

تصريحات مدير الأمن في السويداء، سليمان عبد الباقي، زادت المشهد سخونة، حيث أكد أن دخول القوات الحكومية إلى السويداء اقترب، بهدف “إعادة هيبة القانون وحماية المدينة لا كسرها”. وتعهد بعدم حصول تجاوزات، مؤكداً أن المحاسبة ستطول كل من ارتكب مخالفات من أي طرف كان.

يقرأ خليفة هذه التصريحات على مستويين: سياسي، مفاده أن السلطة في دمشق ماضية في استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، وأن أي ترتيبات محلية لا يمكن أن تكون خارج هذا السقف. وميداني، حيث يصطدم هذا الطرح بحساسية اجتماعية عميقة تجاه دخول قوات كبيرة ومسلحة، في ظل ذاكرة المواجهات السابقة والمواقف الصفرية المتبادلة. وبدون تفاهمات مسبقة وضمانات واضحة، قد يتحول أي دخول إلى عامل تفجير بدل أن يكون مدخلاً للاستقرار.

ترتيبات سياسية ودور إقليمي

يذهب جلو إلى أن تصريحات عبد الباقي تستند إلى ترتيبات سياسية قد تجريها الحكومة مع فواعل إقليمية ودولية لإعادة بسط سيطرة دمشق على الجنوب السوري، وإنهاء التدخل الإسرائيلي المزعزع للاستقرار. ويتوقع أن تكون مسألة إعادة بسط السيطرة مسألة وقت، مع احتمال تفاعل الأهالي تجاه سياسة التضييق الهادفة إلى إضعاف تيار الهجري، وإظهاره بمظهر العاجز عن تأمين الخدمات أو التفاوض مع حكومة دمشق.

ويرجح جلو أن يكون أي دخول محتمل أكثر انضباطاً من تجربة دخول القوات الحكومية إلى مناطق شمال شرقي سوريا في يوليو 2025، والتي شهدت انتهاكات بسبب دخول عناصر غير منضبطة. ويؤكد أن أي دخول حالي سيكون شديد الانضباط، بهدف إظهار أن قوات دمشق معنية بحماية جميع المواطنين، بغض النظر عن تنوعهم الديني أو المذهبي، وأن الهدف الأساس هو إنهاء المشاريع الانفصالية في سوريا.

السويداء عند مفترق طرق

يبقى المشهد في السويداء محكوماً بإدارة أزمة أكثر منه بتنفيذ خطة شاملة، وفق خليفة. وقد يُستعاد نموذج “المنطقة الشرقية” جزئياً من حيث آلية التدرج، لكن مع فارق جوهري يتمثل في حساسية السويداء الخاصة، واحتمال تداخل البعد الإسرائيلي في حساباتها الأمنية والسياسية، وهو عنصر لا يتوفر بالدرجة نفسها في شرق الفرات.

يقف الجبل اليوم عند مفترق حقيقي بين تصعيد خطابي قد يراكم المخاطر، وتسوية تدريجية تعيد إدماجه في الدولة بشروط جديدة. والفاعلون المحليون يتحركون ضمن هامش ضيق، حيث كل خطوة تحمل تكلفة سياسية تتجاوز حدود الجبل نفسه. في هذه المعادلة المعقدة، يبدو خروج حسن الأطرش بداية فصل جديد، لا نهاية قصة قديمة.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى