كندا تدرج أسماء مرتبطة بالجيش السوري الجديد ضمن عقوباتها المحدّثة

في خطوة وصفت بالتاريخية، أعلنت الحكومة الكندية عن تعديل جذري في سياسة العقوبات المفروضة على سوريا، جمعت بين رفع القيود الاقتصادية الشاملة التي استمرت منذ عام 2011، وتشديد الإجراءات الفردية بحق 6 أشخاص متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينهم اثنان يشغلان اليوم مناصب قيادية ضمن هيكلية الجيش السوري الجديد.
القرار الذي أعلنته وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند الأربعاء الماضي، يمثل تحولاً استراتيجياً في المقاربة الكندية تجاه سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث تسعى أوتاوا إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم التعافي الاقتصادي وفتح قنوات التواصل مع مؤسسات الدولة السورية، وبين الاستمرار في ملاحقة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
تخفيف اقتصادي شامل: البنك المركزي وشركات النفط خارج القائمة
أبرز ما حملته التعديلات الجديدة هو الرفع الكامل للحظر الاقتصادي الواسع الذي فرضته كندا على سوريا منذ أيار/مايو 2011. القرار شمل إزالة 24 كياناً سورياً وفرداً واحداً من لوائح العقوبات .
We’ve updated our sanctions on Syria. We lifted broad economic restrictions tied to the former Assad regime and removed 24 entities to ease economic activity. At the same time, we added new criteria and sanctioned six individuals responsible for serious human rights abuses. This…
— Anita Anand (@AnitaAnandMP) February 18, 2026
الجهات التي رفعت عنها العقوبات شملت مؤسسات مالية ونفطية وإعلامية كبرى، في مقدمتها البنك المركزي السوري، والمصرف التجاري السوري، وشركة سيريتيل للاتصالات، والخطوط الجوية العربية السورية، إضافة إلى الشركة السورية للنفط . هذه الخطوة تفتح الباب أمام إعادة تفعيل العلاقات المالية والتجارية بين كندا وسوريا، وتسمح للشركات الكندية بالدخول في استثمارات جديدة وصفقات تصدير واستيراد مع مؤسسات الدولة.
بحسب بيان الحكومة الكندية، فإن هذه التعديلات تهدف إلى “تخفيف الحواجز أمام النشاط الاقتصادي وتمكين المعاملات مع الكيانات المرتبطة بالدولة في القطاعات الحيوية اللازمة لتعافي سوريا” .
محافظ البنك المركزي السوري، عبد القادر حصري، رحب بهذه الخطوة واصفاً إياها بأنها “علامة فارقة مهمة تعزز تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال زيارته الأخيرة إلى كندا”، معتبراً أن القرار “يمهد الطريق لمشاركة كندية في إعادة إعمار سوريا وتطوير بنيتها التحتية” .
تشديد فردي: 6 أسماء جديدة على قائمة العقوبات
Minister Anand announces amendments to sanctions related to Syriahttps://t.co/IelJs1Stvw
— GC Newsroom (@NewsroomGC) February 18, 2026
في الجانب المقابل، لم تكتف كندا برفع العقوبات الاقتصادية، بل استحدثت معيارين جديدين للإدراج على لوائح العقوبات، يسمحان بتجميد أصول ومنع تأشيرات الدخول للأفراد والكيانات المتورطة في “انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان” أو في “تقويض السلام والأمن والاستقرار في سوريا” .
وبموجب هذين المعيارين، أدرجت أوتاوا 6 أسماء جديدة على قائمتها السوداء. أربعة منهم فرضت عليهم العقوبات بسبب تورطهم في موجة العنف الطائفي التي شهدتها سوريا في آذار/مارس 2025، بينما فرضت العقوبات على اثنين آخرين لتمويلهما برامج الأسلحة الكيميائية والصاروخية الباليستية لنظام الأسد السابق .

الأسماء التي شملتها العقوبات هي:
سيف بولاد أبو بكر
محمد حسين الهاشم (أبو عمشة)
غيث سليمان دالّا
مقداد فتيحة
دلال خوري
عماد خوري
عقوبات تطال قياديين في الجيش الجديد
ما يلفت الانتباه في هذه القائمة هو وجود اسمين يشغلان اليوم مواقع قيادية ضمن الجيش السوري الجديد. محمد حسين الهاشم، المعروف بـ”أبو عمشة”، هو قائد لواء السلطان سليمان شاه، ويتولى حالياً قيادة “الفرقة 25” في الجيش السوري. أما سيف بولاد أبو بكر، فهو قائد فرقة الحمزة، وعُين مؤخراً على رأس “الفرقة 76” .
هذه العقوبات الكندية ليست الأولى من نوعها بحق هذين القيادين. ففي أيار/مايو 2025، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على فصائل فرقة السلطان مراد ولواء السلطان سليمان شاه وفرقة الحمزة، إضافة إلى قادتها، على خلفية أحداث العنف في الساحل السوري. كما كانت وزارة الخزانة الأميركية قد أدرجت هذه الأسماء في قائمة العقوبات في آب/أغسطس 2023. ما يجعل الخطوة الكندية امتداداً لمسار غربي سابق يستهدف هذه الشخصيات، لكنها تكتسب أهمية إضافية اليوم بسبب مواقعهم الحالية داخل المؤسسة العسكرية الجديدة.
رسالة واضحة: مساءلة فردية لا عقوبات جماعية
ما تقدمه التعديلات الكندية هو نموذج جديد للتعامل مع سوريا ما بعد الأسد. فبدلاً من العقوبات الاقتصادية الشاملة التي كانت تهدف إلى خنق النظام السابق ولكنها ألحقت ضرراً كبيراً بالمدنيين والاقتصاد السوري، تتحول كندا الآن إلى سياسة أكثر دقة: رفع القيود عن المؤسسات والقطاعات الحيوية لدعم التعافي وإعادة الإعمار، مع الاستمرار في ملاحقة الأفراد المتورطين في انتهاكات بحق السوريين.
وزيرة الخارجية الكندية أكدت أن العقوبات ستبقى سارية بحق الأفراد والكيانات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظام الأسد السابق والمدرجة على القوائم بين عامي 2011 و2017 . كما شددت على أن كندا ستواصل تنفيذ إجراءات ضد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المدنيين وأي أعمال تقوض السلام والاستقرار في سوريا .
خطوة على طريق أوسع
هذه التعديلات الكندية تندرج ضمن سياق دولي أوسع لإعادة ضبط السياسات تجاه سوريا بعد سقوط النظام السابق. فقبل هذه الخطوة، كانت كندا قد أصدرت في شباط/فبراير 2025 تصريحاً عاماً مؤقتاً سمح بتقديم خدمات مالية داخل سوريا، كما أزالت في كانون الأول/ديسمبر 2025 سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وشطبت هيئة تحرير الشام من قائمة الكيانات المحددة بموجب القانون الجنائي الكندي.
محافظ البنك المركزي السوري عبّر عن أمله في أن تمهد هذه الخطوة لتعاون أوسع بين المصارف والبنوك الكندية والسورية، وأن تساهم في دفع عجلة إعادة الإعمار .
في المحصلة، ترسل كندا رسالة واضحة إلى الإدارة السورية الجديدة وإلى المجتمع الدولي: دعم التعافي ممكن، والانفتاح الاقتصادي مرحب به، لكن ملف المحاسبة لن يُغلق، ومن تورط في انتهاكات بحق السوريين سيبقى مطارداً، حتى لو بات اليوم جزءاً من المؤسسة الرسمية.
الحل نت



