ذا ناشيونال: ينبغي على الحكومة السورية الاعتراف بالعنف الطائفي للحفاظ على مصداقيتها

في خضم التحولات الكبيرة التي تشهدها سوريا، يبرز سؤال ملحّ: هل ما يحدث في البلاد هو صراع مع جماعات مسلحة خارجة عن القانون، أم أن للطائفية بصمة واضحة في المشهد الدامي الأخير؟ صحيفة “ذا ناشيونال” تناولت هذا الإشكال عبر مقابلة مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، لتعود وتخصص افتتاحيتها لتحليل تصريحاته ومدى انسجامها مع الواقع على الأرض.
الشيباني: لا عنف طائفي.. بل مشاكل مع “خارجين عن القانون”
خلال المقابلة التي أجرتها الصحيفة مع الوزير الشيباني في 15 شباط/ فبراير، سعى الأخير إلى دحض ما وصفه بالاعتقاد الخاطئ بأن سوريا تشهد عنفاً طائفياً. ووفقاً للصحيفة، فإن تصريحات الشيباني تتماشى مع الموقف الرسمي للحكومة الذي أكده الرئيس أحمد الشرع مراراً، والقائم على أن حقوق جميع الأقليات مصونة ومتساوية في المجتمع السوري.
الشيباني ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً الصراع الدائر في بعض المناطق بأنه “مشاكل مع جماعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة”. وأضاف أن محاولة تصوير هذه الأحداث على أنها عنف طائفي ما هي إلا “دعاية سياسية” تستغل الطوائف نفسها لتحقيق أهداف معينة.
لكن “ذا ناشيونال” لم تمرر هذه التصريحات دون تمحيص، بل وضعتها في سياقها الكامل، مشيرة إلى أن سوريا شهدت خلال الأشهر الأخيرة موجة عنف راح ضحيتها “المئات، وربما الآلاف”، في اشتباكات متعددة الأطراف: بين القوات الحكومية أو حلفائها من جهة، والقوات الكردية، ومسلحين في المناطق العلوية، وميليشيات درزية من جهة أخرى.
بين الحقيقة والدعاية: ماذا يحدث على الأرض؟
الافتتاحية اعترفت بأن الشيباني محق في نقطة مهمة: هناك بالفعل العديد من الأكراد والعلويين والدروز يعيشون بسلام في مناطق مختلفة من سوريا. كما أن الحكومة الحالية لم تتخذ طابعاً طائفياً صريحاً، على عكس ما كان يخشاه الكثيرون، خاصة مع الدور المهيمن لهيئة تحرير الشام -الجماعة التي كانت حتى وقت قريب تحمل صفة “تنظيم إرهابي”- في الإدارة الجديدة.
لكن الصحيفة سارعت إلى استدراك: “من الصحيح أيضاً أن الاشتباكات المختلفة التي وقعت تشترك في قاسم مشترك واحد: شعور جماعات مجتمعية بأن مصالحها مهددة، وأن الاستجابة لمخاوفهم كانت غالباً فوضوية وقاسية”.
هذه الملاحظة تعيدنا إلى جوهر المشكلة: حتى لو لم تكن الحكومة تمارس سياسة طائفية بشكل رسمي، فإن طريقة تعاملها مع الاحتجاجات أو التحركات في بعض المناطق، أو حتى سلوك بعض الجماعات المسلحة المرتبطة بها، قد تخلق واقعاً طائفياً على الأرض، بغض النظر عن النوايا المعلنة.
تحرير الشام والمسلحون: مشكلة المظهر والجوهر
أكثر ما يضعف رواية الشيباني، حسب “ذا ناشيونال”، هو أن أكثر أعمال العنف دموية في كثير من الحالات ارتكبها متطرفون مسلحون مرتبطون بهيئة تحرير الشام. هذا الواقع يخلق تناقضاً صارخاً: كيف يمكن للحكومة أن تنفي وجود عنف طائفي، بينما جماعات متطرفة تنتسب إليها أو تتحالف معها ترتكب أعمال عنف ذات طابع طائفي واضح؟
غياب المساءلة عن هذه الانتهاكات يزيد الطين بلة. ففي ظل عدم محاسبة مرتكبي العنف، يفرّ الكثيرون عبر الحدود إلى لبنان، وتتصاعد الدعوات للانفصال، لا سيما بين بعض الجماعات الدرزية التي تشعر بأن وجودها مهدد.
اعتراف مؤلم لكن ضروري
الرسالة الأهم التي توجهها “ذا ناشيونال” للحكومة السورية الجديدة تتلخص في جملة واحدة: “إذا أرادت الحكومة السورية استقطاب المزيد من العائدين من المهجر، فضلاً عن الدعم والاستثمار الدوليين اللازمين لإعادة بناء البلاد، فعليها الاعتراف بالمعاناة الهائلة التي سببها هذا العنف”.
الاعتراف هنا ليس مجرد كلمة عابرة، بل خطوة ضرورية على عدة مستويات:
أولاً، على المستوى الإنساني، فإن الاعتراف بمعاناة الضحايا وعائلاتهم هو أقل ما يمكن تقديمه لهم، وهو شرط أساسي لأي مصالحة حقيقية.
ثانياً، على المستوى السياسي، فإن الاعتراف بأن بعض المجتمعات تشعر بالتهديد يفتح الباب أمام حوار جاد حول كيفية معالجة هذه المخاوف، بدلاً من تجاهلها حتى تتفجر.
ثالثاً، على المستوى العملي، فإن كبح جماح أي جماعات تمارس العنف باسم الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، هو السبيل الوحيد لبناء ثقة حقيقية بين المواطنين والحكومة الجديدة.
المصداقية على المحك
تختم “ذا ناشيونال” افتتاحيتها بتحذير واضح: من خلال إنكار انتشار العنف الطائفي، “يُخاطر الشيباني بتقويض مصداقية الحكومة لدى شعبها في مجتمع مُنقسم. والمصداقية ضرورية لضمان قبول واسع النطاق لمهمتها الحيوية المتمثلة في توحيد سوريا”.
هذا التحذير يعكس تحدياً كبيراً يواجه الحكومة السورية الجديدة: كيف يمكن توحيد بلد منقسم إذا لم يتم الاعتراف بطبيعة الانقسامات والمخاوف التي تغذيها؟ وكيف يمكن بناء الثقة إذا كانت الرواية الرسمية تنكر وقوع أعمال عنف يشهد بها الجميع؟
بين إنكار المشكلة وتفاقمها
ما تقدمه “ذا ناشيونال” هو قراءة متوازنة لموقف الحكومة السورية من قضية شائكة. من جهة، هناك حقائق على الأرض تشير إلى وقوع أعمال عنف ذات أبعاد طائفية. ومن جهة أخرى، هناك رواية رسمية تصر على أن ما يحدث هو مجرد صراع مع “جماعات خارجة عن القانون”.
لكن المشكلة أن إنكار المشكلة لا يجعلها تختفي، بل قد يزيدها سوءاً. فالمجتمعات التي تشعر بأن مخاوفها لا تُسمع أو تُستبعد، قد تبحث عن حلول خارج إطار الدولة، مما يهدد مشروع التوحيد الوطني الذي تقول الحكومة إنه هدفها الأسمى.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن الحكومة السورية الجديدة من تجاوز هذا المأزق، والانتقال من مرحلة إنكار المشكلات إلى مرحلة معالجتها بجدية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير الانتقال السياسي في سوريا، بل أيضاً مستقبل البلاد ككيان موحد قادر على استيعاب تنوعه المجتمعي.
هاشتاغ



