أستاذ في الاقتصاد يوضح التحديات التي قد تواجه الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد السوري

في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها سوريا، يبرز سؤال جوهري حول دور رأس المال المحلي والمهاجر في عملية إعادة الإعمار، مقابل التدفق الكبير للاستثمارات الخليجية. الدكتور ذو الفقار عبود، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، يقدم قراءة معمقة لهذا المشهد المعقد في حديثه لصحيفة الحرية.
الاستثمارات الخليجية.. حضور طاغٍ
تكشف الأرقام عن حجم غير مسبوق للاستثمارات الخليجية في سوريا، حيث تستعد السعودية لضخ استثمارات تتجاوز قيمتها 40 مليار ريال سعودي (نحو 10.6 مليار دولار) موزعة على ثمانين مشروعاً في مختلف القطاعات الاقتصادية. هذه الاستثمارات، التي تركز على قطاعات حيوية مثل الطيران المدني والعقارات وتحلية المياه والاتصالات والبنية التحتية، ستنفذها كبرى الشركات السعودية.
وفي سياق متصل، تعمل السعودية وقطر على تسوية متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، والتي تبلغ نحو 15 مليون دولار، مما سيفتح الباب أمام دمشق للحصول على تمويلات ودعم فني من مجموعة البنك الدولي خلال الفترة المقبلة.
أما قطر فتتجه للاستثمار في قطاع توليد الطاقة وتطوير مطار دمشق الدولي، إضافة إلى شراء حصص في مصرفين سوريين. كما حصلت شركة “دي بي وورلد” الإماراتية على امتياز تشغيل مرفأ طرطوس لمدة ثلاثين عاماً مقابل 800 مليون دولار.
تدفقات دولية متنوعة
لا تقتصر التمويلات على المصادر الخليجية فقط، إذ رصد الاتحاد الأوروبي 620 مليون دولار لسوريا خلال الفترة 2026-2027، كما قدم البنك الدولي 146 مليون دولار لإنشاء محطة تحويل كهرباء. وتفرض المؤسسات الأوروبية والدولية معايير صارمة تتعلق بعمليات الشراء وحماية البيئة ومكافحة الفساد، على عكس الاستثمارات الخليجية الثنائية التي لا تضع شروطاً مماثلة حتى الآن.
أما تركيا، فتحتل موقعاً متميزاً في هذا المشهد، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.9 مليار دولار خلال عام 2025، بنمو سنوي 54%. وتعهدت أنقرة بتزويد سوريا بـ 900 ميغاواط من الكهرباء وتشغيل خط الغاز بين كيليس وحلب.
غياب المستثمر السوري.. لماذا؟
في الوقت الذي تتدفق فيه هذه الاستثمارات الخارجية، يبقى رأس المال السوري المحلي والمهاجر غائباً عن المشهد. ويفسر الدكتور عبود هذا الغياب بمجموعة عوامل مترابطة، يأتي في مقدمتها ضعف البنية التحتية، وهشاشة القطاع المصرفي، وعدم وضوح البيئة القانونية للأعمال بشكل كافٍ.
وتحاول الحكومة السورية معالجة هذه المشكلة من خلال قانون جديد للاستثمار يهدف إلى حماية حقوق المستثمرين وتقديم ضمانات واسعة، تشمل الإعفاء الضريبي الكامل في بعض القطاعات الإنتاجية. لكن هذه الجهود لم تترجم بعد إلى تدفق ملموس لرؤوس الأموال السورية من الداخل أو الخارج.
تحديات الحوكمة والتوزيع العادل
يشير أستاذ العلاقات الدولية إلى مجموعة من التحديات التي قد تعيق نجاح عملية إعادة الإعمار، أبرزها حداثة الوحدات الإدارية في مجال الاستثمار، وغياب إطار واضح للحوكمة يضمن الشفافية والعدالة الجغرافية في توزيع المشاريع على جميع المناطق السورية، خاصة تلك التي عانت من التدمير الممنهج.
ويحذر عبود من خطورة تركز الاستثمارات في مناطق دون أخرى، مما قد يخلق فجوة بين ضخ الأموال وأطر الحكم المؤسساتي اللازمة لتحويلها إلى نتائج تنموية حقيقية.
فجوة التمويل الهائلة
رغم ضخامة الاستثمارات المعلنة، إلا أنها تبقى متواضعة أمام التكلفة التقديرية لإعادة الإعمار التي يضعها البنك الدولي عند 216 مليار دولار، بينما لا يتجاوز الدخل القومي السوري 21 مليار دولار. هذا يعني أن الفجوة التمويلية لا تزال هائلة، وأن الاعتماد على التمويل الخارجي سيبقى مهيمناً لفترة طويلة.
المغترب السوري.. ثروة غير مستغلة
يؤكد عبود أن التجارب في الأردن وتركيا والسعودية ومصر تثبت قدرة المغترب السوري على تحقيق نمو اقتصادي ملموس، سواء عبر توظيف رأس المال أو نقل الخبرة والمعرفة. لكن تحقيق ذلك يتطلب توفير بيئة استثمارية واضحة وشفافة داخل سوريا، مع حماية قانونية وحوافز مالية حقيقية.
يرى الدكتور عبود أن التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية اليوم لم يعد يتمثل في قدرة رؤوس الأموال على دخول البلاد بعد رفع العقوبات، بل في القدرة المؤسساتية على استيعاب هذه الأموال وفق ضوابط الشفافية والمنافسة والإفصاح. كما أن خلق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الوطنية والمغتربة يمثل مفتاح النجاح في بناء اقتصاد مستدام ومتوازن، يقلل الاعتماد على الخارج ويحافظ على استقلال القرار الاقتصادي، مع ضمان التوزيع العادل للاستثمارات على جميع الجغرافيا السورية.
المشهد أونلاين



