عارضات أزياء وطائرة: صندوق أسود لإبستين في تونس

دخلت تونس فجأة على خط الجدل العالمي المتصاعد حول أنشطة الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، وذلك بعد نشر وزارة العدل الأميركية وثائق ضخمة تكشف تفاصيل جديدة عن شبكته الدولية. المفاجأة أن تونس ورد اسمها في أكثر من 366 بريداً إلكترونياً ضمن الوثائق التي تضم نحو 3.5 مليون صفحة، إلى جانب آلاف الصور ومقاطع الفيديو .
الوثائق كشفت عن محاولتين مثيرتين للجدل: الأولى تتعلق بمحاولة تجنيد عارضات أزياء شاركن في مسابقة دولية بتونس عام 2009، والثانية مساعٍ غامضة لشراء طائرة تابعة للخطوط الجوية التونسية في كنف من السرية.

مسابقة النمذجة الدولية.. عندما تحولت منصة الأزياء إلى شبكة استغلال
تعود التفاصيل إلى يونيو 2009، عندما نظمت مسابقة “Look Model Search International” في فندق جولدن تيوليب قرطاج بمنطقة قمرت، بحفل ختامي أقيم في 27 يونيو من العام نفسه . المسابقة التي حملت شعاراً إنسانياً للتوعية بأزمة المياه العالمية، كانت في الواقع محط أنظار شبكة إبستين.
وفقاً للوثائق المسربة، كان الوسيط الرئيسي في هذه العملية شخصاً يدعى دانيال سياد، وهو كشاف مواهب جزائري-فرنسي-سويدي الجنسية، وثبت تورطه لاحقاً في شبكة إبستين. في رسالة إلكترونية مؤرخة في 14 يونيو 2009، أبلغ سياد إبستين بأن المنظمين يفتقرون إلى مشاركات من عدة دول مثل إسبانيا والدنمارك والولايات المتحدة وبريطانيا، وطلب منه مساعدة صريحة: “إذا كان لديك فتيات من هذه المناطق، فسيكون ذلك عوناً كبيراً” .

المسابقة شهدت مشاركة 47 فتاة من جنسيات مختلفة، من بينهن ثلاث تونسيات، أبرزهن عارضة الأزياء هناء بن عبد السلام التي حلت في المركز الثاني . لكن الأهم أن الوثائق تظهر محاولات إغراء المتسابقات بوعود وظائف في أوروبا وأميركا، قبل أن يتحول الخطاب إلى مساعٍ لتجنيدهن ضمن شبكة إبستين.
من هو دانيال سياد؟ قصة وسيط دولي في شبكة الاستغلال
تحقيقات صحفية متعمقة كشفت أن دانيال سياد لم يكن مجرد كشاف مواهب عادي. ففي مارس 2016، وصفته وثائق محكمة أميركية بأنه “كشاف أو مجند للفتيات والنساء لصالح جيفري إبستين”، وكان هذا الوصف جزءاً من أدلة مقدمة ضد غيلين ماكسويل، شريكة إبستين المدانة .
علاقة سياد بإبستين تعود إلى عام 2009، عندما نظم إبستين لقاءً جمع سياد مع جان لوك برونيل، مؤسس وكالة “MC2” الفرنسية الشهيرة، والذي ثبت لاحقاً تمويل إبستين لوكالته واستخدامها في تجنيد عارضات شابات . منذ ذلك الحين، تحول سياد إلى حلقة وصل دائمة، حيث أظهرت مئات الرسائل المتبادلة تنظيمه للقاءات، ودفع الرسوم، وتقديم صور عارضات إلى إبستين مباشرة.
في إحدى رسائل سكايب عام 2015، كتب سياد إلى إبستين: “أحاول إرسال هذه العارضة التي أرغب في توظيفها في نيويورك. إنها وجه جديد مع وكالة فورد باريس”، ثم أضاف بسرعة: “هل يمكنك إرسال بعض المال لي، شكراً جزيلاً”، ليرد إبستين بأن الدفع قد أُرسل بالفعل .
وفي حادثة أكثر إثارة، رتب سياد في 2014 لقاء بين امرأة شابة والممثل وودي آلان في برشلونة، بعد أن أجرى الأخيرة محادثة عبر سكايب مع إبستين. الرسائل تظهر نمطاً ثابتاً: صور ترسل، تعليقات على المظهر والعمر والعرقية، اجتماعات تقترح، وأموال تطلب .
طائرة تونسية في مرمى شبكة إبستين
الملف الثاني الذي أثار جدلاً واسعاً يتعلق بمحاولة شبكة إبستين شراء طائرة تابعة للخطوط الجوية التونسية. بحسب الوثائق، تقدمت شركة مقرها جزر العذراء الأميركية – وهي نفسها المتورطة في نقل ضحايا إبستين – بعرض لشراء الطائرة مقابل 15 مليون دولار.
الشروط المثيرة للقلق تضمنت ضرورة إزالة شعارات الخطوط التونسية من الطائرة، والالتزام بالسرية التامة بشأن الصفقة. حتى اللحظة، لم تعلق الخطوط التونسية رسمياً على هذه المزاعم، مما يزيد من غموض القصة.
تحليلات سياسية ومطالب بالتحقيق
الجدل في تونس لم يقتصر على الجانب الأمني، بل امتد إلى التحليلات السياسية. الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت أكد ضرورة “تحديد طبيعة العلاقة التي جمعت إبستين مع الشخصيات التي أطرت وأنفقت أموالاً على الحفلة التي شهدتها تونس”، داعياً إلى الكشف عما إذا كانت هذه العلاقة تكتسي طابعاً إجرامياً .
بدوره، شدد المحلل السياسي محمد صالح العبيدي على أن “الجدل الذي تعرفه تونس مشروع للغاية، إذ يعني ذلك محاولة شبكة إبستين جعل تونس محطة عبور لأنشطتها الإجرامية”. وأضاف أن “على السلطات التحرك من أجل حسم هذه الشبهات وإطلاع الرأي العام بالمستجدات، لا سيما أن غموضاً كبيراً يحيط بهذه الأنشطة التي تشكل زلزالاً أخلاقياً ومالياً” .
يذكر أن وثائق إبستين تضمنت أيضاً مئات الإشارات إلى تونس في سياق تحليلات سياسية وأكاديمية تتعلق بفترة ما بعد ثورة 2011، مما يفتح باب التساؤلات حول مدى تدخل الشبكة في الشأن السياسي التونسي.
في ظل صمت رسمي حكومي، يبقى الملف مفتوحاً على احتمالات عدة، وسط ترقب شعبي وإعلامي لكشف المزيد من التفاصيل حول هذه القضية التي هزت الرأي العام التونسي.
اندبندنت عربية



