دمشق: القوات السورية تتسلم قاعدة “التنف” العسكرية من القوات الأمريكية

في تطور لافت يعيد رسم الخريطة العسكرية في شرق سوريا، أعلنت وزارة الدفاع السورية رسمياً تسلمها قاعدة التنف من القوات الأمريكية، وبدء انتشار وحداتها على طول الحدود السورية العراقية الأردنية. القاعدة التي كانت لسنوات أبرز نقاط الارتكاز العسكري لواشنطن في البادية، باتت الآن تحت السيادة السورية الكاملة.
صباح الخميس، لم يكن يوماً عادياً في بادية التنف. وحدات من الجيش العربي السوري وصلت إلى القاعدة التي ظلت لسنوات محظورة على كل ما هو سوري. العلم الأمريكي الذي رفرف فوقها منذ 2016 أُنزل. مكانه، رفع الجيش السوري رايته.
وزارة الدفاع كانت دقيقة في بيانها: “من خلال التنسيق بين الجانب السوري والجانب الأمريكي”. لا نصر مرفوع الشعارات، ولا هزيمة معلنة. مجرد انسحاب منظم، وتسليم هادئ، وكأن شيئاً لم يكن.
لكن الذي يعرف تاريخ التنف، يعرف أن هذا “الشيء” كان كبيراً.

قاعدة التنف: ما الذي انتهى اليوم؟
التنف ليست قاعدة عادية. هي عين واشنطن في شرق سوريا، الموقع الذي اختارته بعناية لقطع الطريق البري بين طهران ودمشق وبيروت. كانت، منذ 2016، نقطة الارتكاز التي تمنع أي تواصل بري آمن بين العاصمة السورية وحلفائها.
إلى جوارها، كان “جيش سوريا الحرة – المغاوير” يتلقى الدعم والتمويل والغطاء. وإلى جوارهما معاً، مخيم الركبان، حيث علق آلاف المهجرين من حمص وحماة ودمشق في منطقة عازلة لا هي سورية ولا أمريكية، مجرد بقعة نسيان على الخريطة.
كل هذا كان. اليوم، الجيش السوري ينتشر على الحدود الثلاثية. وقوات حرس الحدود ستتسلم مهامها خلال أيام. المخيم؟ المصير لا يزال معلقاً.
لماذا الآن؟ سوريا في التحالف الدولي
المصادر السورية المطلعة تشرح السبب: سوريا لم تعد خارج المعادلة. دمشق انضمت رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وصارت “شريكاً فاعلاً”. في الأسابيع الأخيرة، نفذت عمليات نوعية أسفرت عن إلقاء القبض على قيادات بارزة في تنظيم داعش في دمشق وريفها ودرعا وحلب.
ببساطة: لم يعد هناك مبرر لوجود قاعدة أمريكية في قلب البادية السورية لـ”محاربة داعش”، فيما الحكومة السورية نفسها تقوم بالمهمة بكفاءة، وتنسق مع واشنطن في ذلك.
الانسحاب إذاً ليس هزيمة. هو إعادة تموضع. وربما اعتراف ضمني بأن المرحلة تغيرت.
من التنف إلى الشدادي: انسحاب على مرحلتين
التنف لم تكن وحدها. قبل يومين فقط، أخلت القوات الأمريكية قاعدة “الشدادي” في محافظة الحسكة. وقبلها، قواعد أخرى في دير الزور. الانسحاب لا يبدو عشوائياً، بل خطة مرحلية تقلص الوجود الأمريكي في سوريا مع الحفاظ على نقاط ارتكاز بديلة.
أبرزها: قاعدة “البرج 22” في المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني. هناك انتقلت القوات الأمريكية من التنف. ليس خروجاً كاملاً من سوريا، بل إعادة تمركز استراتيجي. إلى متى؟ لا أحد يعرف.
ملف معتقلي داعش: العامل الخفي
التقرير الأممي الأخير كشف جزءاً من الإجابة. أمريكا بدأت نقل معتقلي التنظيم من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق. نحو 7 آلاف سجين من أصل 9 آلاف غادروا بالفعل. السبب المعلن: “ضمان بقائهم في مرافق احتجاز آمنة”. السبب غير المعلن: الخوف من أن تسقط هذه السجون بيد الحكومة السورية، ومعها ورقة الضغط الأخيرة.
قصة سجن الشدادي كانت إنذاراً مبكراً. حين انسحبت قسد، فرّ 200 معتقل. القوات الحكومية أعادت القبض عليهم، لكن الرسالة وصلت: هذه السجون قنابل موقوتة. الأفضل نقلها خارج البلاد قبل فوات الأوان.
هل تعود أمريكا إلى عهد ترامب؟
ديسمبر 2018. دونالد ترامب يعلن فجأة عزمه سحب 2000 جندي أمريكي من سوريا. وزير دفاعه جيم ماتيس يستقيل احتجاجاً. المنطقة تصاب بالارتباك. ثم يتراجع القرار جزئياً، وتبقى قوة محدودة.
اليوم، المشهد مختلف. الانسحاب يجري بهدوء، وبالتنسيق مع دمشق. لا استقالات دراماتيكية، ولا تصريحات نارية. مجرد تنفيذ عملي لما بدأ قبل 8 سنوات، لكنه تأجل لأسباب لم تعد قائمة.
السؤال الذي يطرحه المراقبون: هل هذه بداية النهاية للوجود الأمريكي في سوريا؟ أم مجرد إعادة انتشار تكتيكي، تحتفظ واشنطن بعده بقدرتها على التدخل متى شاءت؟
ماذا تبقى؟
التنف اليوم سورية. الجيش ينتشر على الحدود. الركبان لا يزال معلقاً. قواعد أمريكية أخرى في الشمال الشرقي لم يُحسم مصيرها. ومخيمات الهول وروج لا تزال تنتظر.
لكن شيئاً واحداً تغير: لم يعد هناك “خط أحمر” يمنع الجيش السوري من الوصول إلى أي نقطة في شرق البلاد. السيادة، التي ظلت لسنوات مجرد شعار، بدأت تأخذ شكلاً على الأرض.
يبقى السؤال الأصعب: هل تستطيع الدولة السورية تعويض غياب المظلة الأمريكية أمنياً وخدمياً؟ أم أن الفراغ الذي يتركه الانسحاب قد يكون أخطر من الاحتلال نفسه؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة. لكن في بادية التنف، على الأقل، الريح اليوم تهب من اتجاه آخر.
سبوتنيك عربي



