الاخبار

موكب وزير الأوقاف السوري يتحول لقضية رأي عام والوزارة توضح

أجج انتشار مقاطع مصورة لموكب رسمي في حمص، قيل إنه يخص وزير الأوقاف، موجة غضب عارمة على منصات التواصل، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً-جديداً: كيف تبدو الدولة في عيون مواطنيها؟ وهل استوعب مسؤولوها راهنية اللحظة التي تعيشها سوريا؟

الانفعال الشعبي لم يتأخر كثيراً. وما أن تداول النشطاء مشاهد السيارات السوداء المصطفة بتنسيق عسكري، حتى انهالت التساؤلات التي مزجت بين السخرية والغضب، وبين استحضار التاريخ ومقارنات الأرقام.

“الخطر الحقيقي على سوريا”

السياسي وائل مرزا كان لاذعاً في تعليقه. رأى أن هذا المشهد – إن صح – يمثل “الخطر الحقيقي على سوريا”، وليس أي جلسة في الكونغرس الأمريكي. وتساءل: كيف يمكن تبرير هذا المشهد أو الدفاع عنه؟ وأصر على أن الإشكالية ليست شخصية، فالوزير قد يكون رجلاً محترماً، لكن المشهد يمس صورة الدولة ذاتها.

مرزا لم يترك مساحة للمواربة. قال إن الحماية الشخصية ضرورية، لكن “توازناتها وحساباتها معروفة”، وأضاف أن واردات وزارة الأوقاف – التي تُجمع من الوقف الخيري – “لا تُنفق في هذه المصارف”. ودعا إلى “مراجعة شجاعة تبدأ من الوزير نفسه”، لأن الدولة يا سادة “تُبنى بالقدوة، وليس بالقرارات فقط”.

“أيكم الوزير؟”

أما الصحفي هادي العبد الله، فاختار زاوية تاريخية. في مقطع فيديو نشره على فيسبوك، وصف الموكب بأنه “رتل من 11 سيارة سوداء”، ووجّه سؤاله مباشرة إلى الوزير: “ليش يا معالي الوزير؟”.

ثم استحضر قصة الخليفة عمر بن الخطاب مع رسول كسرى. الرسول دخل المدينة المنورة فلم يستطع تمييز الخليفة عن بقية الصحابة، لأنه كان نائماً تحت شجرة. فسأل مذهولاً: “أيكم عمر؟”. العبد الله تمنى أن يأتي يوم نسأل فيه: “أيكم الوزير؟”. وأوضح أن كلامه لا يخص وزيراً بعينه، بل يطال كل مسؤول “مُكلف بخدمة الناس”.

مقارنة صادمة: 70 شقة بدل سيارة!

النشطاء لم يكتفوا بالكلام. بعضهم ذهب إلى المقارنات الرقمية. بحسابات تقريبية، 12 سيارة، متوسط سعر الواحدة 100 ألف دولار، المجموع مليون دولار. هذا المبلغ، كما قالت التعليقات، يمكنه تأمين 70 شقة سكنية بمواصفات جيدة في ريف إدلب. سبعون عائلة يمكنها مغادرة المخيمات. سبعون بيتاً بدل سيارة؟ الحسابات كانت قاسية.

الوزارة ترد: الموكب لم يكن للوزير وحده

هنا تدخل المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، أحمد الحلاق، ليصحح الصورة. أوضح أن الموكب لم يكن خاصاً بوزير الأوقاف د. محمد أبو الخير شكري فقط، بل ضم محافظ حمص، وقائد الأمن الداخلي، والمفتي، ومدير فرع المرور، وعدداً من مديري الأوقاف، إضافة إلى تجار وشخصيات اعتبارية. كانوا جميعاً في طريقهم للمشاركة في افتتاح مبنى مديرية الأوقاف الجديد.

اللافت أن الحلاق لم يصدر بياناً مستقلاً للرد على الجدل، بل جاء التوضيح مدمجاً في منشور عن الافتتاح نفسه. وكأن الوزارة أرادت القول: احتفالنا بثمرة جديدة من “ثمرات مرحلة البناء وتصحيح المسار”.

فاصل إلى دركوش: العاصي يغمر المخيمات
التوقيت لم يكن في صالح الموكب. ففي الأيام نفسها، كان نهر العاصي يفيض على مدينة دركوش في ريف إدلب الغربي. السيول غمرت المنازل والمحال التجارية. أكثر من عشرة مخيمات للنازحين تضررت. ثلاثة أشخاص لقوا حتفهم، بينهم متطوعة في الهلال الأحمر السوري. المشهد هناك كان مختلفاً تماماً: لا سيارات سوداء ولا مواكب، فقط طين وماء ووجوه تبحث عن دفء.

التعليقات على وسائل التواصل لم تتوانَ في المقارنة. سأل كثيرون: هل يعقل أن نؤمن مواكب رسمية بينما المخيمات تغرق؟ أليس تأمين عودة اللاجئين أولى؟ أليس إغلاق المخيمات أولى؟ أليس معالجة آثار الكوارث أولى؟

سؤال مفتوح
الغضب الذي أثارته سيارات حمص السوداء لم يكن مجرد نوبة غضب عابرة على فيسبوك. إنه مؤشر على شيء أعمق. السوريون، الذين عانوا عقوداً من الفجوة بين خطاب الدولة الرسمي وممارسات رجالها، يبدو أنهم لم يعودوا مستعدين للتسامح مع هذه الفجوة. في زمن الأزمات، لا يصبح التواضع خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً للبقاء السياسي. والدولة التي لا تتعلم من أخطائها محكوم عليها بتكرارها. والسؤال المفتوح: هل سيقرأ المسؤولون هذه المشاهد كمؤشر خطر، أم سيمرون مرور السيارات السوداء السريع؟

سناك سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى