الاخبار

ناشيونال إنترست: ما الذي تعنيه الاتفاقية الأخيرة بين الحكومة السورية وقسد؟

في بداية عام 2026، كانت سوريا على حافة الهاوية. اقتتال عنيف اندلع بين الحكومة المركزية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسرعان ما توسع من أحياء حلب ليصل إلى الحسكة ذات الغالبية الكردية. واشنطن، التي طالما دعمت قسد كحليف استراتيجي في مكافحة الإرهاب، وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ قرار صعب: الوقوف إلى جانب دمشق وتركيا، والضغط على قسد للقبول بشروط التوحيد.

لكن السؤال الذي يطرحه تقرير حديث في مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية: هل كان هذا القرار انتصاراً دبلوماسياً أم مقدمة لكارثة إنسانية؟

عندما كاد التوحيد يتحول إلى مجزرة
الرئيس السوري أحمد الشرع، بحسب التقرير، تجاوز الخط الأحمر عندما دفع بقواته للتوسع شرق الفرات بعد أيام قليلة من اتفاق وقف إطلاق نار توسطت فيه واشنطن. حينها، تدخلت الإدارة الأمريكية بقوة، ليس دعماً لقسد، بل لمنع ما وصفته المصادر بـ”كارثة علاقات عامة” قد تتحول إلى تطهير عرقي حقيقي.

المخاوف لم تكن نظرية. ففي عام 2025، شهدت سوريا أعمال عنف طائفي في الشمال الغربي والجنوب. وتكرر المشهد في بداية 2026 مع تصاعد دعوات علوية للامركزية ومطالب درزية بالاستقلال. أي مجزرة جديدة بحق الكرد كانت كفيلة بتفجير سوريا بالكامل.

وهنا تكمن المفارقة التي يسجلها التقرير: واشنطن التي سعت طويلاً لإضعاف دمشق، وجدت نفسها تمارس الضغط على قسد لقبول شروطها، ليس حباً بالشرع، بل هرباً من كابوس صراع عرقي على غرار العراق 2006.

اتفاق لا يرضي أحداً.. لكنه الوحيد الممكن
ما يميز وقف إطلاق النار الذي جرى في 18 كانون الثاني، بحسب “ناشيونال إنترست”، أنه اتفاق “لا يرضي أحداً تماماً”. دمشق لم تحصل على كل ما تريد، وقسد قبلت تحت الضغط بما كانت ترفضه في المفاوضات السابقة.

الحكومة السورية كانت تخشى “البلقنة” وتفكك الدولة. والكرد كانوا يخشون على وجودهم كلغة وهوية. الاتفاق الجديد، رغم هشاشته، منح الكرد مرسوماً رئاسياً يعترف بحقوقهم، ومنح دمشق سيادة اسمية على مناطق كانت خارج سيطرتها لسنوات.

لكن التقرير يحذر: الاتفاق أوقف إطلاق النار، لكنه لم يحل العداوات. الطرفان قبلا به على مضض، وكلا الطرفين يفضل اللجوء إلى القوة إذا فشلت المفاوضات المقبلة. باختصار، الهدنة الحالية ليست سلاماً، بل استراحة محارب.

أمريكا تنسحب.. والمهمة تنتظر
في خضم هذه التعقيدات، بدأت واشنطن تنفيذ انسحابها التدريجي. القاعدة في الشدادي انتقلت إلى سيطرة دمشق، وهناك حديث عن انسحابات أخرى مرتبطة بتسلم الحكومة السورية مسؤولية السجون التي تؤوي آلاف المقاتلين من تنظيم الدولة.

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وفق التقرير، تقوم على فكرة واضحة: “نضغط اليوم، وننسحب غداً”. واشنطن تريد تسليم المهمة لدمشق، لكن ليس قبل التأكد من أن الانتقال لن يتحول إلى فوضى تعيد إنتاج الإرهاب من جديد.

هذا يعني أن الضغط على قسد سيتواصل، ليس فقط عسكرياً بل اقتصادياً ودبلوماسياً، حتى تقبل بشروط الاندماج. كما أن الضغط على دمشق سيستمر، عبر ربط أي دعم مستقبلي بسلوكها تجاه الأقليات وملف السجون.

سوريا بين التهدئة والانهيار
التقرير لا يقدم وعوداً مريحة. ما حدث في كانون الثاني أوقف اقتتالاً مفتوحاً، لكنه لم ينهِ جذور الصراع. الحكومة السورية لا تزال تنظر إلى أي شكل من أشكال اللامركزية بعين الريبة، وقسد لا تزال تخشى أن يكون مصيرها شبيهًا بمصير وحدات الحماية في مناطق أخرى.

لكن التقرير يخلص إلى نتيجة واحدة مؤكدة: الخيار العسكري لحل الخلاف بين دمشق والكرد لم يعد متاحاً، ليس لأن الطرفين اقتنعا بالحوار، بل لأن ثمن العنف أصبح باهظاً جداً على الجميع، بما في ذلك أمريكا التي تريد الخروج من سوريا بأقل الخسائر.

في النهاية، تبقى سوريا رهينة اتفاق هش، وضمانات دولية غير مكتوبة، وحسابات باردة لا تعرف العواطف. ربما يكون هذا هو النموذج السوري الجديد: لا حرب ولا سلام، فقط انتظار.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى