احتجاجات على الحدود اللبنانية السورية اعتراضا على منع الشاحنات اللبنانية من الدخول

مشهد غير مألوف على معبر المصنع الحدودي. العشرات من الشاحنات المبردة تصطف على الجانب اللبناني، محركاتها متوقفة، وسائقوها يجتمعون تحت الشمس لا لانتظار دورهم في العبور، بل للاحتجاج.
قرار سوري مفاجئ، نُفذ في صباح يوم سبت، كان كفيلاً بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء في العلاقة بين البلدين. دمشق قررت فجأة: لا دخول للشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية. البضائع يجب أن تُفرغ في جديدة يابوس، وتُنقل على شاحنات سورية. قرار وُصف في بيروت بـ”التعسفي والمجحف”.


“خسرت 600 دولار في دقائق”
ضرار نصير، صاحب شاحنة لبنانية، ما زالت حيرته تعلو صوته. كان عائداً من سوريا محملاً بالبندورة. على المعبر، فوجئ بأن شاحنته لن تكمل الطريق. “فُرغت حمولتي أمام عيني، وخسرت 600 دولار في أقل من ساعة”.
نصير لا يفهم لماذا تبقى الحدود مفتوحة للشاحنات السورية باتجاه لبنان، بينما تُغلق في وجه اللبنانيين. يسأل بمرارة: “لماذا لا نطبق المعاملة بالمثل؟”.
أرقام تكشف الخلل
نقيب أصحاب الشاحنات المبردة أحمد حسين يحمل أرقاماً دقيقة: ألف شاحنة سورية تدخل لبنان يومياً، مقابل 350 شاحنة لبنانية فقط تتجه إلى سوريا. الأرقام ليست جديدة، لكنها اليوم تُقرأ بشكل مختلف.
الاتفاقية الموقعة بين البلدين منذ 1994 كانت تنظم هذا التبادل. لكن القرار السوري الأخير، بحسب حسين، قلب المعادلة رأساً على عقب، وجعل الشاحنات اللبنانية رهينة إجراءات جديدة لم تُتشاور بشأنها.
بين “الترانزيت” والتفريغ الإجباري
الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا بررت القرار بإجراءات تنظيمية. الشاحنات غير السورية ممنوعة من الدخول، باستثناء شاحنات الترانزيت التي ترافقها الضابطة الجمركية. الباقي، وعليه التفريغ في أقرب ساحة جمركية سورية، والانتقال إلى شاحنات محلية.

لبنان الرسمي بدا هذه المرة أكثر هدوءاً من المعتاد. مؤتمر صحافي عقده المتضررون في المصنع بحضور ممثلين عن وزارة الأشغال والجمارك، انتهى بتوصية واحدة: رفع اقتراح إلى الحكومة اللبنانية للعودة إلى تطبيق الاتفاقية القديمة، واعتماد المعاملة بالمثل مؤقتاً “لحين حل الأزمة”.
“لا نتمنى الوصول إلى هذا الخيار”
زياد الخطيب، سائق آخر، يكرر كلمة “المعاملة بالمثل” لكن بصوت أكثر توجعاً. يقول: “لا نتمنى هذا الخيار. سوريا ولبنان بلد واحد منذ خمسين سنة”. جملته تختزل ارتباكاً لبنانياً حقيقياً: كيف نضغط على دمشق من دون أن نبدو وكأننا نحرق جسوراً بالكاد بدأت ترمم؟
بسام طليس، رئيس اتحاد النقل البري، يحاول التوفيق بين المطالب والواقع. يؤكد أن الضرر طال الطرفين، ويدعو إلى معالجة “بحكمة ومن دون إجراءات متسرعة”. لكنه في الوقت نفسه لا يخفي أن التوصية الوحيدة الخارجة من الاجتماعات كانت “المعاملة بالمثل”.
ماذا بعد؟
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. الحكومة اللبنانية أمام اختبار: إما الضغط على دمشق عبر إجراءات مماثلة، أو البحث عن حل دبلوماسي يعيد تفعيل اتفاقية 1994 كما كانت.
لكن في انتظار ذلك، تبقى الشاحنات اللبنانية محشورة بين قرار سوري لا يبدو أنه قابل للتراجع قريباً، وسوق لبنانية تعاني أصلاً من تبعات أزمة اقتصادية طاحنة. والمفارقة أن الخاسر الأكبر في كل هذه القصة هو ما يسميه السائقون ببساطة: “التكامل الاقتصادي”.
سبوتنيك عربي



