اقتصاد الظل في سورية.. كيف يتكيّف الناس مع غلاء المعيشة؟

في أحد صباحات دمشق الباردة، كان أبو مالك يتفقد عداد الكهرباء في منزله بمساكن برزة، محاولاً فهم كيف وصلت الفاتورة إلى رقم يفوق قدرته على الدفع. لسنوات اعتمد على مولدة صغيرة لتأمين بعض ساعات الكهرباء، معتقداً أن المشكلة ستتراجع لاحقاً، لكنه فوجئ بفاتورة تجاوزت مليوني ليرة، وهو مبلغ أكبر من دخله الفعلي.
يقول إن رفع الدعم عن الكهرباء جعلها عبئاً ثقيلاً، رغم أنها خدمة أساسية يفترض أن تكون في متناول الجميع.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل نموذج لما تعيشه شرائح واسعة من السوريين الذين يواجهون فجوة متزايدة بين الرواتب وتكاليف الحياة، في ظل اقتصاد رسمي ضعيف واعتماد متنامٍ على مصادر دخل غير رسمية.
أرقام المعيشة تكشف حجم الفجوة
تشير تقديرات متداولة إلى أن متوسط دخل الأسرة السورية يقارب 1.3 مليون ليرة شهرياً، بينما تتراوح النفقات الفعلية بين خمسة وستة ملايين ليرة أو أكثر، خاصة عند وجود إيجار سكن.
هذه الفجوة الكبيرة غالباً ما تُغطى عبر تحويلات خارجية أو أعمال غير مسجلة، ما يعكس الدور المتصاعد لما يُعرف باقتصاد الظل في تأمين متطلبات المعيشة.
ويُعرَّف اقتصاد الظل بأنه الأنشطة الاقتصادية التي قد تكون قانونية بطبيعتها لكنها غير مسجلة رسمياً، وغالباً ما تكون خارج النظام الضريبي أو الرقابي. ويقدّر بعض الخبراء أن نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في سورية باتت تتم خارج الإطار الرسمي، نتيجة ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولا تتوقف الضغوط عند تكاليف الكهرباء فقط؛ إذ تشير تقديرات إلى أن إنفاق أسرة من خمسة أفراد في دمشق قد يصل إلى نحو ثمانية أو تسعة ملايين ليرة شهرياً، في حين تبقى الرواتب الرسمية أقل بكثير، سواء في القطاع العام أو الخاص. وهذا الواقع يفسر اتساع رقعة الفقر واعتماد كثير من العائلات على مصادر دخل إضافية.
اقتصاد الظل… حل مؤقت أم أزمة مستمرة؟
مع تراجع قدرة الاقتصاد الرسمي على توفير فرص العمل الكافية، أصبح العمل غير الرسمي خياراً شبه إلزامي لكثير من السوريين.
فاطمة، وهي ربة منزل من حماة، توضح أن زوجها يعمل في نقل البضائع بشكل غير مسجل، وهو دخل غير مستقر لكنه ضروري لتأمين احتياجات الأسرة.
ورغم أن هذا النوع من النشاط يوفر دخلاً للبعض، فإنه يترك آثاراً سلبية على الاقتصاد العام، مثل انخفاض الإيرادات الضريبية وزيادة صعوبة تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة.
التحويلات الخارجية… دعم لا يشمل الجميع
بالنسبة لعدد من الأسر، تشكل الأموال المحوّلة من الخارج مصدراً أساسياً للعيش. فبعض العائلات تعتمد على أقارب يعملون خارج البلاد لتغطية الإيجار والمصاريف اليومية.
لكن هذا الدعم ليس متاحاً للجميع، ما يخلق تفاوتاً واضحاً بين الأسر التي تمتلك شبكة دعم خارجية وتلك التي تفتقر إليها.
رؤى اقتصادية حول المستقبل
يرى بعض الخبراء أن الاقتصاد السوري يمر بمرحلة انتقالية قد تتضح ملامحها خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا تحسنت موارد الدولة أو عادت بعض القطاعات الإنتاجية للنشاط.
ومع ذلك، فإن أي تحسن فعلي يرتبط بإصلاحات اقتصادية أوسع، وتنظيم سوق العمل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وليس فقط بالاعتماد على موارد محدودة أو مؤقتة.
تكيّف يومي تحت الضغط
في ظل هذه الظروف، يعتمد كثير من السوريين على مزيج من الأعمال الإضافية والتحويلات والتقشف المستمر.
وتقول سارة، وهي موظفة في دمشق، إن الحياة أصبحت قائمة على حساب يومي دقيق للمصاريف، مع تغير الأسعار بشكل متكرر، ما يجعل الاستقرار المالي أمراً صعباً.
هذه الشهادات تعكس واقعاً معيشياً معقداً، حيث يحاول الناس التكيف مع ضغوط اقتصادية طويلة الأمد، بينما يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة هذا النمط من الحياة على الاستمرار دون آثار اجتماعية واقتصادية أعمق في المستقبل.
تلفزيون سوريا



