“قسد” تستعد لتسليم مطار القامشلي للحكومة

تشهد محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا ديناميكية متعددة المستويات، حيث تبدأ ملامح الاتفاق الأمني والسياسي الذي جرى توقيعه نهاية يناير الماضي بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بالظهور على الأرض، بالتزامن مع حراك دبلوماسي ودوافع إنسانية معقدة.
تفعيل الاتفاق: تسليم منشآت وتوسع للوجود الحكومي
بحسب مصادر مقرّبة من “قسد”، يجري التحضير لتسليم مطار القامشلي المدني إلى قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية، وهي خطوة تُعتبر جوهرية في تفعيل بنود التفاهم الأخير. في الوقت ذاته، بدأت وحدات من الشرطة العسكرية السورية بالانتشار في بلدة الهول بريف الحسكة الشرقي، في خطوة تهدف -بحسب التصريحات- إلى “تعزيز الأمن والاستقرار”، مما يعيد تدريجياً نشر رمزية السلطة المركزية في مناطق كانت تديرها “الإدارة الذاتية” لسنوات.
على الصعيد الإداري، بدأت تظهر جهود لدمج المؤسسات الخدمية، حيث عقد مسؤول محلي في منطقة الشدادي اجتماعات مع وجهاء وممثلي المجالس المحلية في بلدة مركدة، لبحث سبل تفعيل دور مؤسسات الدولة الرسمية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
دور دبلوماسي فرنسي ودعم للتفاهمات
يبرز الدور الفرنسي كحاضن وداعم رئيسي لهذه التفاهمات. وأكد وزير الخارجية الفرنسي خلال زيارته إلى دمشق أن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يهدف إلى “تعزيز الحقوق الأساسية للمكوّن الكردي”، مشدداً على أن مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” تبقى أولوية قصوى، وأن هذا الاتفاق يدعم هذا الهدف.
ومن المقرر أن يتوجه الوزير الفرنسي إلى أربيل للقاء قيادات “قسد” البارزة، مثل مظلوم عبدي وإلهام أحمد، لمناقشة تفاصيل الضمانات وآليات تنفيذ الاتفاق، وسط وعود فرنسية بتقديم دعم يحافظ على استمرارية عمل المؤسسات الخدمية.
انتهاكات مستمرة وتأثيرها على الحياة اليومية
بالتوازي مع هذه التطورات السياسية، توثّق تقارير محلية انتهاكات مستمرة تثير قلق الأهالي. حيث قُتل شاب يدعى عادل فواز الحسين برصاص قناص تابع لـ”قسد” في حي النشوة بمدينة الحسكة أثناء عمله. كما تستمر حملات الاعتقال في مناطق سيطرة “قسد”، وتركزت مؤخراً في بلدة القحطانية وحيي العزيزية والنشوة، دون إعلان أرقام رسمية حول أعداد الموقوفين.
ويعاني القطاع التعليمي من تداعيات هذه الظروف، حيث اشتكى سكان عدة قرى في ريف القامشلي من تحويل مدارسهم إلى ثكنات عسكرية. وردت أنباء عن قيام عناصر “قسد” بالتمركز في هذه المدارس وإحراق مقاعد الدراسة لأغراض التدفئة، مما أدى إلى تدمير مرافقها، كما جرى اقتحام مدرستين أخريين في ريف الجوادية بعد كسر أقفالهما، مما يهدد مستقبل الدراسة لمئات الطلاب.
واقع اقتصادي ومعيشي صعب
يواجه السكان تحديات معيشية جسيمة، حيث طالب سكان القرى شرقي الحسكة بفتح الطرق المؤدية إلى المدينة، مؤكدين أن إغلاقها تسبب بتدهور كبير في ظروفهم المعيشية ومنعهم من الوصول إلى أعمالهم.
في المقابل، ظهر مؤشر اقتصادي إيجابي طفيف، حيث أعلنت شركتا “الهرم” و”الفؤاد” للحوالات المالية استئناف عملياتهما في مدينة الحسكة، بما في ذلك خدمة “شام كاش”، الأمر الذي قد يساهم في تخفيف حدة أزمة السيولة التي يعاني منها الأهالي.
هذه التطورات المتشابكة ترسم صورة معقدة للمرحلة الانتقالية في المنطقة، بين خطوات نحو التسوية السياسية والاندماج الإداري من جهة، ومعاناة يومية وانتهاكات تستدعي حلولاً عاجلة من جهة أخرى.
عنب بلدي



