لماذا يستمر ارتفاع الأسعار رغم استقرار سعر صرف الليرة السورية؟

عند التجول في الأسواق السورية، يلاحظ المتسوق سريعًا أن موجة الغلاء لا تهدأ، إذ تواصل الأسعار ارتفاعها شبه اليومي، على الرغم من الحديث عن استقرار نسبي في سعر صرف الليرة السورية منذ قرابة شهر عند مستوى 11,500 ليرة للدولار الواحد.
هذا التباين بين ثبات السعر الرسمي للعملة واستمرار التضخم ينعكس مباشرة على حياة الناس، حيث تتراجع القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وتتسع الهوة بين الدخل المحدود وكلفة المعيشة التي باتت تثقل كاهل معظم الأسر.
استقرار ظاهري… وواقع مختلف
لا يمكن اختصار هذه الظاهرة بسعر الصرف وحده، وفق الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر، الذي أوضح لصحيفة “الحرية” أن استمرار ارتفاع الأسعار يعود إلى تشابك عوامل نقدية واقتصادية ونفسية متعددة.

ويشير اسمندر إلى أن فقدان الثقة المزمن بالليرة السورية يعد العامل الأبرز، فحتى مع ثبات السعر الرسمي، لا يشعر التجار والمستهلكون بالاطمئنان إلى استقرار العملة بعد سنوات طويلة من التضخم، ما يدفعهم إلى تسعير السلع ضمنيًا بالدولار أو تحويل مدخراتهم إلى بضائع تحسبًا لأي تقلب مفاجئ.
كما يوضح أن الاقتصاد السوري يتأثر فعليًا بسعر السوق الموازية أكثر من السعر الرسمي، وهو سعر سريع التغير وغالبًا ما يميل إلى الارتفاع. فتكاليف الاستيراد والنقل والخدمات التجارية تحتسب في كثير من الأحيان على أساس هذا السعر، الأمر الذي يقلص أي أثر إيجابي لاستقرار الدولار رسميًا على الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك.
تراجع الإنتاج المحلي يفاقم الأزمة
إلى جانب ذلك، يلفت اسمندر إلى الانخفاض الحاد في الإنتاج المحلي نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية وقطاعات الصناعة والزراعة خلال سنوات الحرب. هذا التراجع قلّص المعروض من السلع المنتجة داخليًا، وزاد اعتماد السوق على الواردات، ما جعل الأسعار أكثر حساسية لتقلبات سعر الصرف وكلفة النقل والطاقة.

ومع ارتفاع نفقات التشغيل، من وقود المولدات وأجور النقل إلى المواد الخام المستوردة التي تُسدد بالدولار وفق سعر السوق الموازية، تنتقل هذه الأعباء تلقائيًا إلى المستهلك النهائي.
ولا يغفل الباحث الاقتصادي دور اختلالات السوق وهيمنة شبكات احتكارية على توريد بعض السلع الأساسية، ما يسمح بالتحكم بالأسعار بعيدًا عن منطق العرض والطلب، ويحد من أي مكاسب محتملة قد يحققها استقرار سعر الصرف.
العقوبات ومخاوف التضخم
ويضيف اسمندر أن العقوبات الدولية وما يرافقها من غموض في بيئة الأعمال يدفع كثيرًا من الشركات الخارجية إلى التردد في التعامل مع السوق السورية، ما يضعف حركة التجارة والتحويلات المالية، ويرفع كلفة الاستيراد والمخاطر المرتبطة به.
كما يحذر من أن تداول أنباء عن طباعة نقدية جديدة، في ظل غياب خطط واضحة للإصلاح الاقتصادي وسياسات مالية ونقدية موثوقة، يضعف ما تبقى من ثقة بالعملة المحلية. فالتوسع النقدي غير المنضبط يغذي توقعات التضخم ويدفع التجار إلى رفع الأسعار بشكل استباقي خوفًا من تراجع جديد في قيمة الليرة.
حلول قصيرة الأمد وإصلاحات طويلة المدى
وفي ما يخص تضييق الفجوة المتزايدة بين الرواتب والأسعار، يرى اسمندر أن المشكلة لا يمكن حلها بقرار منفرد أو إجراء إداري معزول، بل تتطلب حزمة متكاملة من السياسات.
فعلى المدى القصير، يقترح اعتماد برامج دعم موجهة للفئات الأكثر ضعفًا عبر تحويلات نقدية مشروطة، وتشديد الرقابة الفعلية على الأسواق لمكافحة الاحتكار والاستغلال، لا سيما في السلع الأساسية، مع تطبيق آليات رقابية شفافة. كما يشدد على أن أي زيادة في الأجور يجب أن ترافقها إصلاحات اقتصادية شاملة حتى لا تتحول إلى عامل تضخمي إضافي.
أما على المدى المتوسط والطويل، فيؤكد أن المعالجة الجذرية تمر عبر إعادة الإعمار وتحفيز الإنتاج المحلي، مع إعطاء أولوية لقطاعي الزراعة والصناعة، وتأمين الطاقة بأسعار مناسبة، وتسهيل وصول المنتجين الصغار والمتوسطين إلى التمويل.
ويضيف أن إصلاح النظامين النقدي والمالي بات ضرورة، من خلال تقليص الفجوة بين أسعار الصرف تدريجيًا، ووقف تمويل العجز عبر الإصدار النقدي، وجذب التحويلات الخارجية عبر قنوات رسمية.
ويخلص إلى أن تحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد الإداري، وتحقيق استقرار مستدام، إلى جانب الاستثمار في تأهيل الكوادر البشرية، تشكل ركائز أساسية لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي قادر على كبح التضخم ووقف التدهور المستمر في مستوى معيشة السوريين.
الحل نت



