السيطرة على أكبر الحقول النفطية.. ماذا تعني لاقتصاد سوريا وإيراداتها؟

تواجه سوريا اليوم مرحلة مفصلية في ملف الطاقة، فبعد سنوات من تراجع الإنتاج وتضرر البنى التحتية، بدأت ملامح استراتيجية جديدة تتشكل مع بسط الجيش السوري سيطرته على مواقع نفطية وغازية حيوية في ريف دير الزور والرقة. هذه الخطوة لا تحمل أبعاداً عسكرية فحسب، بل تُعد ركيزة أساسية لإحياء الاقتصاد الوطني المتعثر.
مجمع “الثورة” النفطي: القلب اللوجستي للبادية
أعلنت الشركة السورية للبترول عن بسط السيطرة الكاملة على مجمع الثورة النفطي، وهو مركز إداري ولوجستي لا يقتصر على كونه مجرد آبار للاستخراج، بل يربط شبكة معقدة من الحقول الاستراتيجية:
حقل الرصافة وصفيان: اللذان تم تأمينهما مؤخراً لتعزيز السيطرة على المجمع.
حقل وادي عبيد وحقل البشري: اللذان يمثلان حلقة الوصل الحيوية بين ريفي الرقة ودير الزور.
وأوضح صفوان شيخ أحمد، مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة، أن العمليات صُممت بدقة لضمان سلامة الفنيين واستمرارية الإنتاج، مشيراً إلى أن الشركة تدير حالياً عمليات الاستخراج والنقل عبر الصهاريج إلى محطة العكيرشي لمعالجة النفط الخام، وذلك كبديل مؤقت للأنابيب المتضررة.
لغة الأرقام: هل يكفي الإنتاج الحالي لسد العجز؟
رغم التفاؤل الرسمي، لا تزال لغة الأرقام تعكس حجم التحديات الهائل. فبينما كان الإنتاج السوري قبل عام 2011 يغطي الاحتياجات المحلية ويسمح بالتصدير، نجد الفوارق التالية:
الإنتاج المتوقع: يُنتظر دمج إنتاج الحقول المستعادة (نحو 2500 برميل يومياً) مع الإنتاج الحالي البالغ 10 آلاف برميل، لدعم محطات توليد الكهرباء.
الفجوة التاريخية: حقل مثل “العمر” الذي كان يضخ 80 ألف برميل يومياً في التسعينيات، يعمل اليوم بإنتاجية ضئيلة جداً نتيجة العقبات التقنية والأمنية.
القدرة الكلية: يبلغ الإنتاج الرسمي الحالي نحو 120 ألف برميل نفط و7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، وهو رقم لا يزال بعيداً عن مستويات ما قبل الحرب.
تحديات ما بعد السيطرة: من الاستخراج إلى العدالة الاجتماعية
تؤكد التقارير أن السيطرة الميدانية هي مجرد خطوة أولى، حيث تواجه الحكومة السورية اختبارات حقيقية:
جذب الاستثمارات: إعادة تأهيل مصفاتي بانياس وحمص وتحسين قدرات التكرير يتطلب رؤوس أموال ضخمة واستقراراً تشريعياً يفتقده القطاع حالياً.
إصلاح الشبكات: الاعتماد على الصهاريج مكلف وبطيء، وإعادة تأهيل شبكة الأنابيب ضرورة قصوى لزيادة الجدوى الاقتصادية.
التوزيع العادل: يبرز تساؤل جوهري حول كيفية تحويل هذه الثروات إلى أداة تنمية شاملة تخدم كافة المناطق السورية دون تمييز، وتنهي سياسات تركيز الموارد في مراكز المدن الكبرى فقط.
خطوة رمزية بآفاق اقتصادية
تعتبر السيطرة على هذه الحقول انتصاراً معنوياً واستراتيجياً يمنح دمشق أوراق قوة في مفاوضات الطاقة الخارجية، ويوفر وقوداً حيوياً للصناعة والاستهلاك المنزلي. لكن التحول الحقيقي إلى “أداة تنمية” يتطلب انتقالاً من عقلية “إدارة الأزمة” إلى “الاستثمار المستدام”.
الحل نت



