الاخبار

انعطافة سورية _ روسية نحو التقارب.. ماذا يجري هناك؟

لا يزال حلم الوصول إلى مياه المتوسط الدافئة يشكل دافعًا ثابتًا في الاستراتيجية الروسية، وهو ما يفسّر تمسّك موسكو بالملف السوري حتى بعد مرور ما يقارب عقدًا كاملًا على اندلاع الصراع.

غير أن المفاجأة بالنسبة لكثير من السوريين تكمن في طبيعة العلاقة الجديدة التي أخذت تتشكل بين دمشق وموسكو عقب سقوط نظام بشار الأسد، إذ سرعان ما تحوّل المشهد من قطيعة متوقعة إلى تقارب هادئ ومنظم بين السلطة السورية الجديدة والكرملين، في مؤشر على عودة الدور الروسي ولكن ضمن سقوف مختلفة عن السابق.

إعادة ترتيب المشهد

ببرودة أعصابه المعهودة، يتعامل صانع القرار الروسي مع الساحة السورية بوصفها مساحة مفتوحة لإعادة التموضع، مستفيدًا من رغبة السلطة الجديدة في دمشق في نسج شبكة علاقات دولية متوازنة.

وقد بدا واضحًا أن السياسة الخارجية السورية الجديدة عملت على تفكيك حقول الألغام التي خلّفها النظام السابق، سواء في اتجاه موسكو أو واشنطن، متجاوزة تعقيدات الداخل السوري المأزوم، ومراهنة على أن استعادة النفوذ والاستقرار تمر عبر البوابة الخارجية.

في هذا السياق، عادت روسيا لتتقدم المشهد من جديد، لا كمراقب كما كانت خلال الأشهر الأولى التي تلت فرار الأسد إلى موسكو في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بل كلاعب يستعد لترسيخ حضوره عبر أدوات اقتصادية واستثمارية. وتشير المعطيات إلى استعداد شركات روسية للدخول بقوة في قطاعات الطاقة والنقل والمرافئ، مع الحفاظ على العقود القديمة الموقعة مع النظام السابق، وتحويل القواعد العسكرية إلى نقاط ارتكاز لمرحلة إعادة الإعمار، بالتنسيق مع الإدارة السورية الجديدة.

هذا التحول أثار حالة من الذهول في الشارع السوري، حيث بدا المشهد متناقضًا: دولة شاركت في الحرب عبر الطيران والصواريخ، تعود اليوم لتتحدث عن الإعمار والدعم الاقتصادي.

ويرى رئيس الحزب السوري الحر فهد المصري أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لنهج سياسي اتبعه الرئيس السوري أحمد الشرع، قائم على تصفير الخلافات مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.

ويعتبر المصري أن هذه المقاربة تخدم المصلحة الوطنية، وتسهم في استعادة الاستقرار، وتُفشل محاولات تفتيت البلاد أو جرّها إلى مشاريع تقسيمية داخلية وخارجية.

ويذكّر بأن العلاقات السورية – الروسية ليست وليدة عهد الأسد، بل تعود إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث جمعت البلدين مصالح استراتيجية طويلة الأمد، في مقدمتها الثقل الروسي الدولي وعضويته الدائمة في مجلس الأمن، إضافة إلى حضوره العسكري الميداني.

ويرى أن موسكو لعبت دورًا أساسيًا في تسهيل التحول السياسي الأخير، وساهمت في تجنب انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة أو حرب أهلية مفتوحة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن العلاقة مرشحة للتوسع، خصوصًا في مجالات إعادة بناء المؤسسة العسكرية، وصيانة العتاد الروسي الموجود لدى الجيش السوري، إلى جانب التعاون الاقتصادي.

أوراق قوة روسية

من جانبه، يربط أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية بالإمارات عامر فاخوري استمرار الوجود الروسي في سورية بما تمتلكه موسكو من أوراق ضغط استراتيجية.

فوجودها العسكري والسياسي يمنحها موقع تفاوض متقدم مع الغرب، ويجعل من الصعب تمرير أي تسوية أمنية أو سياسية في المنطقة دون إشراكها.

كما يشكل هذا الحضور رافعة في ملفات أخرى، مثل أوكرانيا، والعلاقة مع حلف شمال الأطلسي، والعقوبات الغربية.

ويذهب فاخوري إلى أن اهتمام روسيا بسورية يتجاوز مسألة القواعد العسكرية، إذ تنظر موسكو إلى التجربة السورية بوصفها نموذجًا ناجحًا لنفوذها الخارجي، حيث تمكنت من فرض توازن مع الغرب، وتقديم نفسها كقوة لا تتخلى عن حلفائها. كما يتيح لها هذا الوجود مراقبة التحركات الأميركية في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق وشرق المتوسط.

وبرأيه، فإن روسيا تتعامل مع سورية باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، يدر عليها نفوذًا دائمًا وحضورًا عسكريًا مؤثرًا وموارد طبيعية، في مقابل حاجة دمشق إلى شريك دولي يساعدها على استعادة توازنها في ظل عزلة دولية خانقة.

ومن هنا، فإن العلاقة بين الطرفين تتجاوز صفقات السلاح إلى شراكة مصالح متشابكة يصعب فكّها في المستقبل القريب.

مسار تفاهم متدرج

منذ تدخلها العسكري المباشر في سبتمبر (أيلول) 2015، رسخت روسيا وجودها في سورية عبر شبكة من القواعد والنقاط العسكرية، أبرزها قاعدة حميميم في ريف اللاذقية.

وجاء هذا التدخل بعد سنوات من الدعم السياسي والعسكري لنظام الأسد، بما في ذلك استخدام حق النقض في مجلس الأمن لإجهاض قرارات دولية تدينه.

اليوم، تبدو العلاقة بين موسكو ودمشق وقد دخلت مرحلة جديدة من التفاهم، تُدار عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية نشطة، كان آخرها زيارة وفد روسي رفيع المستوى في ديسمبر 2024.

وأشار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أن العلاقة تقوم على مبدأ “الاحترام المتبادل”، في إشارة ضمنية إلى انتهاء مرحلة الوصاية، مع تأكيده في الوقت ذاته على حاجة بلاده إلى الاستثمارات الخارجية، ودعوة روسيا للمساهمة في هذا المسار.

ويؤكد مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية إيفان تيموفيف أن اللقاء الذي جمع الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عكس استعداد الطرفين لتجاوز آثار التغيير السياسي، وفتح صفحة جديدة من التعاون، لا سيما في ملف إعادة الإعمار.

في المقابل، يرى الباحث فراس بوزان أن العلاقة تتقدم بوتيرة بطيئة ولكن ثابتة، مشيرًا إلى اقتراب الطرفين من تفاهمات تتعلق بالقواعد العسكرية الروسية، إضافة إلى عودة شركة “ستروي ترانس غاز” إلى الاستثمار في قطاع الفوسفات، الذي يمثل مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة.

هواجس الساحل ومستقبل الدور الروسي

يبقى الساحل السوري إحدى أكثر المناطق حساسية، وسط مخاوف من عودة التوتر. ويرجح فهد المصري أن تلعب روسيا دورًا إيجابيًا في تهدئة الأوضاع، سواء في الساحل أو في ملفات معقدة مثل “قسد” والسويداء، مستفيدة من علاقاتها الإقليمية، بما فيها قنواتها المفتوحة مع إسرائيل.

ويؤكد أن الرؤية السياسية لسورية الجديدة تقوم على الحياد الإيجابي، والابتعاد عن الصراعات الإقليمية، وعدم التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو مرور السلاح، معتبرًا أن السياسة الخارجية الحالية تنسجم مع هذا التوجه.

بدوره، يستبعد بوزان أن تكون موسكو معنية بأي فوضى داخل سورية، بل على العكس، فهي تبحث عن شريك مركزي يمكن التفاهم معه، تمهيدًا للمشاركة في إعادة الإعمار بعد رفع العقوبات.

وفي المحصلة، يرى مراقبون أن استعادة العلاقة مع روسيا تخدم، من زاوية دمشق، إعادة بناء الجيش الذي خسر جزءًا كبيرًا من قدراته الاستراتيجية، ولا سيما منظومات الدفاع الجوي، نتيجة الضربات الإسرائيلية المتكررة.

وإلى جانب الدور التركي، يُتوقع أن يشكل التسليح والتدريب الروسيان ركيزة أساسية في هذه المرحلة، مقابل حصول موسكو على فرص استثمارية واسعة في قطاعات الطاقة والفوسفات والموانئ.

اندبندت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى